مذ توقّف عن الشراب صارت حياته أفضل. روتينية، مملّة، متكرّرة، لكنها أفضل. حياته أيضًا، لما كان يشرب، روتينية، مملّة، متكرّرة، لكنها لم تكن أفضل، وفي الوقت نفسه لم تكن أسوأ. كانت حياة عادية، وصارت بعدها عادية. الأفضل يمكن اختصاره في عدم الصرف، وعلى الأقل الآن، حين يستيقظ صباحًا، لا يشعر بالدوار، ولا يفتّش محفظته ليحسب ما تبقّى لديه من مال. هنا، في هذه الجزئية، يكمن معنى الأفضل. حدث الأمر في غفلة. الأسبوع الماضي، حين دقّت الساعة الرابعة عصرًا، ساعة الشرب، دخل كعادته الحمّام وأخذ دوشًا سريعًا، ثم ارتدى ملابسه على عجل وجمع ما يلزمه في شنطة. قبل أن يهمّ بالخروج من المنزل جلس على الكنبة وأشعل سيجارة، وفكّر في لتر البيرة الذي ينتظره في حانته المفضّلة المواجهة للبحر، على بُعد عشر دقائق مشيًا من منزله. وما إن لاح على باله طعمها، وهو يدفع بالكأس الأولى كاملة لكي يدخل في جوّ الثمالة مباشرة، لعبت به الصفراء، فهرع إلى الحمّام وأرجع بقايا وجبة الغداء، ثم استفرغ المزيد من سائل أصفر بدا كخيط رفيع يشدّه من معدته. هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك. وكان، في العادة، يمضمض فمه بعدها ويغسل أسنان...
تعلمتُ في طرابلس أن يكون لي سند في اللحظات الأكثر حرجًا. كأن يتعرضَ لي أولاد الكازا على سبيل المثال ويسألونني ربع دينار مقابل المرور بسلام، ووقتها (على سبيل المثال أيضًا)، لا يكون في جيبي سوى ولاعة بدون غاز وسيجارتين رياضي مليئتان بالتجاعيد بعدَ أن دخلوا غسالة الملابس على مدى حربين وبضعة قطرات عرق. وفي هذه الحالة عليّ أن أقولَ لهم أنني من أولاد المدينة وولد شارعي، والمتريسّ علينا هو رامي الحفيان. طبعًا سأقولُ ذلكَ فقط لأتجنّب الدخول في مشاكل مع أولاد الكازا، على الرغم من ان علاقتي والحفيان كانت ماشية زي السمن على العسل، ولكن هذه الحيلة أوقعتني في ورطة، وكانَ ذلكَ في أول لقاء وجه بوجه مع فتحي التشاينا، الشاب الأسود ذو الرأس الحديدي، الذي وحينَ كنتُ ذاتَ ظهيرةً أمشي قاطعًا الكازا متجهًا لـ بن عاشور، أوقفني وسألني عن وجهتي، فأجبته، وكان من بعد ذلكَ السؤال البديهي الذي يقشعّر له البدن: “وين تسكن”، فأجيبُ ورأسي مرفوع، وحينَ يسألني عن من هو المتريّس على الشارع ليتأكد من صحّة قولي، أجيبه وكلّي تحدّي وشموخ: “رامي الحفيان”، فضحك وهو يمسحُ على صلعته: “قصدك رامي ولد الزمزامة! هات دينار وك...
وهو ينظّف المنزل في صباحه الأول، يمسح الدولاب أسفل حوض الغسيل بفوطة مبلّلة، استرعى انتباهه صوت حمامة. في البداية ظنّها هناك، داخل الدولاب نفسه. لكن حين توقّف عن المسح وأصغى جيّدًا، تتبّع الصوت، فوقف ونظر من خلال شباك المطبخ نحو الشرفة ورفع رأسه. وجدها هناك، مستقرة فوق السخّان المثبّت في حائط الشرفة الصغيرة، تنظر إليه وتصيح، أو تنادي، أو شيء من هذا القبيل، كما خطر له. من مكانه استطاع أن يلمح عشًا أعلى السخّان، وأن يدرك أنها استوطنت هذه الشقة قبله، وربما بمدة طويلة، بينما لم يمضِ على وصوله سوى يوم واحد، منذ أن وقّع عقد الكراء البارحة مع صاحب البيت. "هالو يو تشيكي ون"، قال لها، كما اعتاد أن ينادي حيواناته الأليفة. مالت الحمامة برأسها وبقيت تحدّق فيه، كأنها تستفهم وجوده. ومنذ ذلك اليوم صارت حيوانه الأليف في مستقرّه الجديد. يستيقظ كل صباح، يضع على حاشية النافذة، ريثما ينتظر القهوة أن تغلي، بضع فتات خبز. يراقبها ترقد فوق بيضها في العش، ويحدّثها عن نفسه، عن مساراته ومسرّاته وخيباته. يصبّح عليها، يسألها عن حالها، وحين يضحك - وكان يضحك عادة بصوت مدوٍّ - تطير بعيدًا، فتحطّ على سور الع...
تعليقات