شُرفة هديل


وهو ينظّف المنزل في صباحه الأول، يمسح  الدولاب أسفل حوض الغسيل بفوطة مبلّلة، استرعى انتباهه صوت حمامة. في البداية ظنّها هناك، داخل الدولاب نفسه. لكن حين توقّف عن المسح وأصغى جيّدًا، تتبّع الصوت، فوقف ونظر من خلال شباك المطبخ نحو الشرفة ورفع رأسه. وجدها هناك، مستقرة فوق السخّان المثبّت في حائط الشرفة الصغيرة، تنظر إليه وتصيح، أو تنادي، أو شيء من هذا القبيل، كما خطر له. من مكانه استطاع أن يلمح عشًا أعلى السخّان، وأن يدرك أنها استوطنت هذه الشقة قبله، وربما بمدة طويلة، بينما لم يمضِ على وصوله سوى يوم واحد، منذ أن وقّع عقد الكراء البارحة مع صاحب البيت. "هالو يو تشيكي ون"، قال لها، كما اعتاد أن ينادي حيواناته الأليفة. مالت الحمامة برأسها وبقيت تحدّق فيه، كأنها تستفهم وجوده. ومنذ ذلك اليوم صارت حيوانه الأليف في مستقرّه الجديد. يستيقظ كل صباح، يضع على حاشية النافذة، ريثما ينتظر القهوة أن تغلي، بضع فتات خبز. يراقبها ترقد فوق بيضها في العش، ويحدّثها عن نفسه، عن مساراته ومسرّاته وخيباته. يصبّح عليها، يسألها عن حالها، وحين يضحك - وكان يضحك عادة بصوت مدوٍّ - تطير بعيدًا، فتحطّ على سور العمارة المقابلة، ثم تعود تدريجيًا إلى عشّها وتراقبه من جديد. يكون هو في الداخل: يأكل من الطنجرة مباشرة في المطبخ، أو يضرب أزرار الكيبورد في الصالون، أو يستلقي، أو يتحدّث في الهاتف. ومع ذلك لم تلمس فتات الخبز أبدًا. كانت حمام وعصافير أخرى تأتي لتأكله، ولم ينتبه لذلك، كما لم ينتبه للقلق الذي يثيره هذا الفعل في قلب الحمامة القابعة في عشّها فوق السخّان.

في صباحٍ من تلك الأيام كانت الحمامة نائمة، مغمّضة العينين. بدت في نومها هادئة، ساكنة، متكوّرة في عشّها إلى درجة أنك بالكاد ترى عنقها. كان سكونها وديعًا، سكونًا تبدّد لحظة انفتح شباك المطبخ. صار الشباك، مع مرور الأيام، منبّه الاستيقاظ. يعلن استيقاظه هو، فتستيقظ هي تبعًا له. كانت جائعة بالطبع، ومع ذلك لم يُغرِها فتات الخبز. ظلّت تنادي وتصيح، تنقل عينيها بينه وبين الفضاء والسماء. ليس سهلًا أن تحرس حمامة بيضها في بيئة مهدِّدة. يوم قرّرت أن تضع بيضها هنا، بدت الشرفة ملائمة: شبابيك وأبواب موصدة، وشرفة صغيرة ضيّقة في عمارة من ستة طوابق، والمسافة بين السخّان والسقف محدودة بما يكفي ليبدو المكان آمنًا. لم تحسب أنها، بعد أقل من أسبوع على جمع لوازم العشّ والاستقرار فيه، ستواجه يوميًا إنسانًا يقف في المطبخ وينظر إليها كأنه يترصّدها. كان يجلس قرب الشباك فترات طويلة خلال النهار. يراقبها، ويُصدر أصواته الخاصة كبشرٍ قدير، ويراقب العمارة المقابلة والفضاء العام، لكن نظره يعود إليها في معظم الوقت. وكان، بين حين وآخر، يرى حمامة أخرى تحطّ قرب السخّان أو تقترب من حافة العش. فينهض على الفور ويطرق الشباك بكفّه أو يلوّح بيده لطردها، خائفًا أن تؤذي حمامته أو تفسد بيضها. كان يراقب الحمامة الأخرى وهي تطير مبتعدة، ويشعر بشيء من الرِّضا. وكان أحيانًا يقترب من السخّان، وقبل أن يصل تطير حمامته بعيدًا. وأحيانًا أخرى تبقى جالسة بثقة، تدير رأسها بين الحين والآخر لتتبّعه، فلا تطير أبدًا؛ حتى حين يشغّل السخّان ويعلو صوته، وحتى حين يعود بعد الدوش ليطفئه، تظلّ تراقبه يقترب ثم يبتعد. فكّر طويلًا في مزاجها المتقلّب: خوفٌ وطيرانٌ مرّة، وسكونٌ وبقاءٌ مرّات. نسج لنفسه أسبابًا فلسفية، ساذجة في معظمها، ولم أجد منطقًا للبوح بها الأن لأن السبب الحقيقي بان.

ذات يوم اكتشف أن فتات الخبز الذي ينثره على الشرفة وحاشية الشباك لم تكن الحمامة هي من تأكله، بل حمامًا آخر غريبًا عن الشرفة، وعصافير وغربان صارت تحفظ موعد استيقاظه. حين أدرك الأمر اعتذر لها بشدّة، واعترف بجهله، وتيقّن أنه فضح مكانها من دون قصد. في حمّى اعترافاته قال إنه ربما عاملها كقطّة، وهذا ذنب لا يُغتفر، لأنه لم يقدّر احتياجاتها كحمامة؛ كما فعل قديمًا حين ربّى قطًا وتعامل معه كأنه طفل بشري. ومن يومها قرأ عن الحمام وتعلّم عنه. استغرق ساعات طويلة يقرأ عن الحمامة الأم، كيف تعيش وكيف تحرس عشّها، واكتشف أن تلك الحمامة الأخرى التي كان يطردها كلما اقتربت من العش لم تكن دخيلة، بل زوجها. فالحمام يتناوبان الحراسة. صحيح أنها تمكث ساعات أطول فوق البيض، لكن مرة أو مرتين كل يوم تطير بحثًا عن الطعام، بينما يبقى الأب يدفّئ البيض ويحرسه. نزل عليه الخبر كالصاعقة. توقّف منذ ذلك الحين عن نثر فتات الخبز، وصار يراقب العشّ عن بُعد. يجلس على الكنبة، يتظاهر بالانشغال بشيء ما على شاشة اللابتوب، خاصة حين يسمع صوت حمامتين على الشرفة، فيرفع رأسه ليراقب كيف تتبادلان وردية الحراسة. وتساءل مرات عدّة لو أنه في الماضي القريب، تحدث مع كلتاهما بسذاجة معتقدًا أنهما نفس الحمامة. غير أنه، ولأنه يحتاج كل يوم لتشغيل السخان للاستحمام، أدرك أن تلك الحمامة التي تبقى في عشها تراقبه دون حراك هي الأم، أما تلك التي ما إن تراه يخطو داخل الشرفة فتطير، أنها الأب. وتساءل مرارًا إن كان قد تحدّث إليهما في الأيام الماضية، بسذاجة، معتقدًا أنهما حمامة واحدة. ومع ذلك، ولأنه يحتاج كل يوم إلى تشغيل السخّان للاستحمام، بدأ يميّز بينهما: تلك التي تبقى في العش ساكنةً تراقبه دون حراك هي الأم، أما التي ما إن يخطو داخل الشرفة حتى تطير، فهي الأب.

مرّت الساعات والأيام والأسابيع. وإن لم تتكيّف الحمامتان تمامًا مع وجوده، فعلى الأقل تقبّلته الأم كواقعٍ حتمي. صارت حكايات يومياته معها موضوعه المفضّل كلما خرج لملاقاة أحد صديقيه. كانا ينظران إليه بحيرة، واتفقا على أن الأمر غير معقول: حمامة تحتل شرفة بيته إلى درجة أنه لا يجلس فيها البتّة. قال أحدهما: "نضّف الزَّب". وقال الآخر: "يا شينك حالة وخلاص". ثم جاءت أخته لزيارته في هذه البلاد الغريبة، حتى لو بدت له أليفة. أكثر ما أعجبها في الشقة الصغيرة كانت الشرفة. قال لها إن الشرفة المكان الوحيد المحرّم، لأنها تخصّ هديل. نظرت إليه بريبة في البداية. وخُيّل لها أن أخاها صار يتخيّل أشخاصًا يسكنون معه. لمح حيرتها والقلق في عينيها فاستدرك، بصوت حاول أن يجعله مازحًا لكنه خرج جادًا: هديل هي الحمامة القابعة فوق السخّان، أمٌّ ترقد على بيضها وتحرس عشّها. ازدادت حيرتها، وتحول القلق في عينيها إلى شيء يشبه الشفقة. في اليوم التالي، حين استيقظ متأخرًا على غير عادته، وجدها في الشرفة تكنس الأرض وتمسحها بالماء وتدعكها بالصابون. كانت هديل تراقب من بعيد. وعند المساء، حين عاد من التسوّق، وجد أخته جالسة على كرسي بلاستيكي في الشرفة، تدخّن، تشرب القهوة، تستمع إلى موسيقى الراي، وتتحدث بصوت عالٍ في الهاتف. كان الغروب في ذروته، ومع ذلك لم تكن الحمامة في عشّها. ولأسابيع بعد رحيل أخته، بقي العشّ فارغًا. لم يرَ هديل هناك مرّة أخرى.

بين الحين والآخر ظلّ يسترق النظر إلى الشرفة. أوصد الأبواب والنافذة، واكتفى بتشغيل المكيّف كلما ضاق به الحرّ. كان يستيقظ مفزوعًا في ساعات الفجر الأولى، يهرع إلى شباك المطبخ ليتفقد العش، لعلّها تعود آخر الليل وتطير مع بزوغ الضوء. لكن العشّ ظلّ شاغرًا. أدرك أخيرًا أنها لن تعود. جاء بكرسي، وضعه عند السخّان، وصعد عليه. كانت البيضة ما تزال هناك. وحيدة وصغيرة، والعشّ مرتب كما تركته الحمامة. حمل البيضة بين سبابته وإبهامه، وتأمّلها قبل أن يضعها على حاشية الشباك. كانت مشقوقة، كأنها شارفت على الفقس، أو ربما تشقّقت في لحظة هلع حين طارت الأم. أشياء من هذا النوع لا يعرف المرء كيف تحدث. حفر حفرة صغيرة في محبس الزهور الجافة، وضع البيضة فيها، وردمها بالتراب. سحب العشّ، رماه في كيس النفايات، ومسح الغبار والفضلات عن السخّان. ثم جلس على الكرسي البلاستيكي. وتنفّس الصعداء.

تعليقات

‏قال غير معرف…
من زمان واني نحب نقرالك شيء ما انساني جداً وحقيقي جداً في كل شي تكتبه
‏قال غير معرف…
عودة مميزة يا مو.. اشتقنا لكتاباتك ولمرشابيدي

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تماثيل ليبيا.. بين الإرث الروماني ومحاولات التحرر الوطني

بحبوحة