أرشيڤ

زكُم العنوان



حرارة جسمي ترتفع وتنزل. لا صداع، لا حمّى، لا شيء سوى قلب منقبض، وربما اندفاع نحو حفرة تؤدي لدهاليز بدورها تأخذني للاّشي. أدور حول نفسي ثلاث مرات، ثمّ أخبط رأسي عند كل زاوية، في غرفة لا يوجد بها الاّ الفراش، ومكدّسة عند حيطانها الأربعة بالكتب والكراريس. ماذا يحدث وراء الستار يا ترى؟ في المطبخ أفتح باب الثلاجة وأغلقها، وأدور مجددًا حول نفسي ثلاث مرات، وفي الدورة الرابعة أفكّر في العودة إلى الغرفة، لكنّي أغيّر رأيي، والحيطان تنكمش، وهنذا مجددًا في الغرفة، أدور حول نفسي ثلاث مرات، وأخبطُ رأسي عند كل زاوية.
سأولّع سيجارة.
أبحث عن كتاب بين أكداس الكتب. أبتعد عن تلك القصيرة منها، وأفتحُ ٢٦٦٦، واقرأ من الصفحة التي توقفت عندها في أخر مرة، ويالا المصادفة؛ الصفحة ٦٦٦. ثمّ أعيد وأغلق الكتاب، وأدورُ مجدّدًا حول نفسي. مرة واحدة لا ثلاثة. تطالعني أشباح تحومُ حول نفسها، فأضحك، وأجلس، هنا، على هذا الكرسي، أمام هذه الطاولة. منذ متى في هذه الغرفة كرسي وطاولة؟ آه، نسيت، منذ البارحة. على أي حال، لم يسبق لي أن جلست للكتابة على هذه الطاولة. اقول لنفسي أو أبوح لهذه الورقة الأخيرة في هذا الدفتر أنّني بالجلوس للكتابة على هذه الطاولة أكسر روتين الكتابة المعتاد. كسر الروتين عمل نبيل. كسر روتين الكتابة أمر ضروري، ثمّ أفكّر فيها، وأفكّر في الموتى، ويركبني السخط لأنّني كلّما كتبت أكتبُ عن زكّم الموتى، وكأنّ الكتابة وُهبت لهم ولها. وأفكّر في الجميع، الكل، أولئك الذين تجاوزوا الموتى بالدفع أكثر نحو الموت، والذّين وهبوا أنفسهم للحياة، ووهبوا كتاباتهم للأحياء، وأتساءل إن كنت أكتب لأكتب أم لأتواصل مع من رحلوا.
حرارة جسمي نزلت الأن، لا داعي للاستمرار. سأعود لقراءة ٢٦٦٦، أو كتاب أخر قصير، لا يتعدّى المائة واربعين صفحة، افتتاحيته كالتالي: تبدأ هذي القصة لمّا كنت شخصًا أخرًا. ثمّ ينهمر السرد في قطعة واحدة، لا فواصل ولا نقاط ولا تقطيع. مائة وأربعون صفحة من العيار الثقيل. أخبرني زميل في العمل زمان، لمّا كنت أبيع الكتب، أنّ الروايات الحقيقية هي تلك التي يوجد فيها كل شي، كل شيء يخصّ الحياة، من دخول الحمّام والتغوّط وفرش الأسنان وتناول الطعام، وحتى الجنون والموت والشذوذ والرواق وتحوّلات الطقس والكوابيس والاستمناء على الاطلال. لدى، يقول زميل عمل زمان، كتب وقصص فرجينيا وولف وجورج أورويل قد تكون أي شيء الاّ كونها روايات. 
أفكّر في زميل العمل ذاك كلّما بدأت وانتهيت من قراءة رواية.
حرارة جسمي ترتفع. سأزيح الستار وأفتح الشبّاك. قد لا أفعل ذلك. سأدخن سيجارة، وربما أعدّ العشاء. شيئًا خفيفًا هذه الليلة. نص بالجبنة، أو مكرونة سادة، وقد أضيف عليها زبدة وفلفل أحمر. خنفساء مرّت تحتي الأن. دعست عليها: سلميلي على من رحلوا.

حلم ليلة زرقاء





اعتكفت تلك العشية لقراءة كتاب بحجم يدي عنوانه الضوء الأزرق، ولمّا حلّ الليل أصابني الحزن. تناولت كؤوسًا متتالية من الويسكي وانصرفت للنوم. كانت الساعة الثانية صباحًا. انّه وقت مبكّر لشخص اعتاد أن ينام بعد ظهور الضوء وأحيانًا لا ينام البتّة، لكنّني نمت. وفي المنام رأيت أنّني في رحلة مدرسية للوكالة السوفياتية للفضاء، وهناك التقيت بالكابتن آلكسي بلابانوف. كان الحلم طويلاً وممتلئًا بالدهاليز، وانطلقت بنا المركبة للفضاء دون أخذ الاحتياطات اللازمة في غلق الأبواب، ولمّا صارت الرؤية تعتم والأرض تحتنا تميل عند أطرافها البعيدة، عمّ الضوء الأزرق المكان وصرت أختنق من قلة الأكسجين وغبت عن الوعي. 
لمّا استيقظت فكرت بوجه الكابتن وهو يختنق. دخنت سيجارة وانطلقت للشغل.
أخبرني المدير أنّ مهمتي اليوم سهلة: كلّ ما عليّ فعله هو أخذ هذا الهاتف وهذي الحقيبة، والانطلاق في سيارة سكودا سلّم لي مفاتيحها كمن يسلّم شرفه. سيرسل لي رسائل نصية لعناوين مختلفة، وكلّ ما عليّ القيام به هو الذهاب للعنوان وتبادل المنفعة ثم الانطلاق للعنوان الذي يليه. مهمة اليوم لا تختلف عن مهمات كل يوم. نفس الموضوع، ونفس الاحتمالات. فهو يقول لي أمورًا بديهية لأفهم بها أمورًا بديهية أخرى، لكن تلك، لا يودّ تكرارها. أتفهّم هذا الأمر.
أول عنوان وصلني بعد نصف ساعة من انطلاقي. الزبون شاب جاء من نفس البلاد التي جئت منها، اسمه محمد، جوّه مليح، وكيفه رايق ويحب الأعشاب. مشكلته الوحيدة أنّه لما يرتبك يبدأ بالاستظراف. هذه المرة مثلاً لمّا شاف الكتاب الذي أضعه بالقرب منّي تساءل ان كان هذا من لوازم التثقيف أم التسطير. لم أكلّف نفسي عناء الاجابة وأكتفيت بتدوير المفتاح في السيارة. ثم جاء دور مجموعة من الطلبة الذكور؛ اندفعوا داخل السيارة بنفس الحماس المُقبلين به على الحياة وطلبوا أغراضًا لتضاعف من هذا الحماس. ثمّ امرأة شقراء بدت كما لو أنها ستخرج للسهر لكنّها طلبت عوض المنشطات مهدئات، وبعدها فتاة تسكن في منطقة نائية، لا نتبادل الحديث عادةً، لكنّها هذه المرة انتبهت للكتاب وعلّقت عليه. لما لم تسمع مني ردًا مدّت يدها وعرفتني على نفسها، وأضافت أنّها تشرفت بمعرفتي. آمأت برأسي ثمّ أدرت مفتاح السيارة. حين انطلقت مجددا نظرتُ للكتاب ولفتني عنوانه لأول مرة: كلّ الكلاب زرقاء.
خفّت الرسائل، وشعرت بالجوع. ذهبت لمحل في شارع مكتظ بالمطاعم العربية. تناولت طعمية وقرأت صفحات قليلة من الكتاب دون أن أقدر على التركيز في أي كلمة. أكملتُ الطعام وعلبة المشروب الغازي على مضض، وراقبت السيّاح العرب من خلال الواجهة الزجاجية المحل.
فور انطلاقي بالسيارة، لاحظت من خلال المرآة العاكسة سيارة شرطة، انعطفت من شارع جانبي وتجاوزت السيارة التي أمامها ثم أبطأت لمّا صارت خلفي. حافظتُ على نفس السرعة، وتوقفت عند الاشارة الضوئية. وصلتني رسالة تحملُ عنوانًا، فأشرت الضوء الجانبي لانعطف يسارًا بعد الاشارة والدخول لشارع جانبي. حين دخلت رأيت في المرآة العاكسة سيارة الشرطة تميل وتدخل نفس الشارع. أصابني الوسواس، لكن التزمت الحفاظ على نفس السرعة، ودخلت شارعًا جانبيًا أخر، فلحقت بي السيارة مجددا. بدأت ألتفت برأسي يمينًا ويسارًا مدّعيًا أنّني أقرأ أرقام البيوت كمن يقصد بيتًا. طالما أنّهم لم يعلنوا نيّتهم لتوقيفي، فلا داعي للفت الانتباه، لكن هيهات! اذ في لحظة ما رفعت فيها رأسي رأيتُ سيارة تدخل الشارع من الجهة المقابلة وتسرع ناحيتي، ولمّا صارت تقترب أكثر لاحظت أنها سيارة أودي سوداء، على واجهتها، تحت ضوء الضباب، غمازتا ضوء اضافيتان. لو أنّ الشعور بأنّني ملاحق كان مسيطرًا عليّ حتى ذاك الحين، فإنني برؤية الأودي تلك صرت أسيرًا للشك، لكنّه ما لبث حتى انقطع لمّا عمّ الضوء الأزرق، وخلت أنني سمعتُ شيئًا، صوت صافرة الشرطة أو شيئًا كهذا. على الرغمَ من أنّني أفكّر في هذه اللحظة وأستعد لها كل يوم أترك فيه البيت، لكن طالما لم أجرّب الأمر من قبل، يستحيل ايجاد طريقة أفضل من "المَنعة". 
دستُ على البنزين وأنعطفت لليسار مجددًا. سمعتُ هذه المرة أصوات الصافرات حقا. سحبتُ الحقيبة من تحت الكرسي، وعندما انعطفت عودةً لشارع المطاعم العربية ألقيتها خارج النافذة، وانعطفت مجددًا عند وصولي اشارة ضوئية حمراء في تقاطع لأربعة شوارع. زدت السرعة لما تأكدت من وسع الشارع وخلوه أمامي، ولم أكن قد انتبهت بعد لوجودي في شارع به كاميرات كشف السرعة. كان الأوان قد فات لما انتبهت، حتى خلت أنني سمعت صوت الصورة وهي تُلتقط لي، ثمّ رأيتُ ضوءًا يغمرني ووجدتني أطيرُ عن الكرسي. لحظة على مدى قصرها لكنّها بدت أبدية. عاد لي حلم الليلة الماضية بكل دهاليزه، ووجه الكابتن آلكسي بلابانوف وهو يختنق، ثم الضوء الأزرق يعلن حالة الطوارئ. 
ما حدث بعدها مجرد لقطات مبعثرة في ذاكرتي، أهمها شرطي سحبني بكلتا يديه خارج السيارة وأطاح بي أرضًا. همس في أذني بأنه سينيكني إن حاولت الهرب. 
رغم أنّي لم أضع حزام الأمان، لكن الحمدلله، طلعت منها بلا أي كسور. أخبرني الطبيب أن حالي بخير، وأن كل ما في الأمر بضع كدمات بسيطة. عدت للبيت في اليوم الرابع، ووجدت رسالة من المحكمة تفيد بمنعي من السفر ولزوم توقيع الحضور اليومي عند أقرب مركز للشرطة. أخبرني المحامي لاحقًا أنهم ليسوا في حاجة للتحقيق معي لامتلاكهم ما يكفي من الأدلة لإدانتي، وأن المسألة الأن تكمن في رغبتهم بتجهيز أكبر عدد ممكن من الأدلة حول كل الجرائم التي ارتكبتها، وسيتم اعداد محضر في حقي وتقديمه للنائب العام بناءًا عليها. 
لهذا، وحتى وقت قريب، كنت أعتقد بأنّني قد ضعت في الضباب. صحيح أنّني كنت سعيدًا بالحياة الجديدة التي كُتبت لي، لكن ما نفع الحياة لو قضيت ما تبقى من شبابي في الحبس! لو علمني الحادث شيئًا، فهو دون شك أن لا أترك رجل الشرطة ذاك أن ينيكني. وكما ترى، هنذا اليوم أنتظر اعلان الحكم الغيابي بينما أشرب البيرة على هذه الجزيرة. أمّا كيف وصلت إلى هنا، فهذا سؤال يحتاج قصة أخرى. 


عن الأرواح واحضارها






تؤمن أمي بأنّي ورثت عن جدّي قواه الخارقة، كالتواصل مع الموتى، ورؤية الأرواح، وقراءة الكف. أخبرها أنّ هذه ليست سوى خُرافات لا طائل منها، الاّ أنّ حجّتها دومًا الأقوى. فهي تعيد سرد حكاية الولد الذي يختبئ خلف الشجرة، وتحكي خرّاف صديقتها نادية. 
الحكاية الأولى تكررت مرارًا على مدار أربعة سنوات في طفولتي. تذكرُ أنني كنت ألوّح لشجرة زيتون في كل مرة نمر بها في شارع قريب من حيّنا. لم تكن ترى أحدًا أمام أو خلف الشجرة٫ لكنّني كنت مصرّا دومًا. أذكرُ هذا الأمر جيّدًا، أذكر الطفل العاري خلف تلك الشجرة. كان يخبئ زبّه بيد ويلوّحُ لي بالثانية. لكن لم أعد أخبرُها بالأمر اليوم. عندي أسبابي، ولن يبدو سرد الأمر هنا منطقيًا. 
أمّا الحكاية الثانية،  فقد كان عمري فيها عامين وشوية، وكنتُ مع أمّي في لمّة قامت بها احدى صديقاتها. أبسطت نادية راحتيها أمامي كي أستندَ عليهما أثناء تعلّمي للمشي، وفي لحظة ما لمّا وقفت، نظرتُ الى راحتها، وصرتُ أتفرج عليها كما لو أنّني أشاهدُ التلفزيون. حاولت أمي وصديقاتها مناداتي واستدعاء انتباهي، لكنّي كنتُ أحدّق في اليد وعيناي - حسب قولها - متسعتان للرؤية. المهم، أنّني لمّا فرغتُ من المشاهدة رفعتُ رأسي لنادية ولوّحتُ بيدي قائلاً لها بآآآي، ثمّ تكرّر الأمر طوال تلكَ العشية. بعدها بكم أسبوع قُتلت نادية في حادث سير. أضحكُ لمّا تصل الحكاية للمقطع الأخير. أتخيّل طفل بابتسامة ساذجة يقولُ باي لامرأة ستلاقي حتفها البشع قريبا. عمومًا، هناك العديد من القصص التي تُثبتُ لأمّي بأنّني ورثتُ عن جدّي قواه الخارقة.  
في مرّة أخرى أذكر أنّها سألتني أين تعلمتُ قراءة الكف. حاولتُ أن أتذكّر لكن لم أجد جوابًا. كنتُ أجد مُتعة في فعل الأمر زمان. يُبسطُ الشخص لي يداه فأرى طُرقًا وحيوات. 
- ما علمنيش حد. كان الأمر طريقة لشدّ البنات، والأن توقفت.
أجيبُ وأنا أنزّلُ الصفحة على شاشة الايباد لقراءة احداثيات تويتر، فكرتُ في بنت مدّت لي راحتها ذات يوم ولم أجرؤ على اخبارها ماذا رأيت. ماذا حدث لها يا ترى؟
- غير قول الحق!
أتكون هي من علمني وأنا صغير ولا تودُّ الافصاح عن الأمر الآن؟ هل تستغلُ ضبابية ذاكرتي؟ الاحتمالُ وارد. وارد وبقوّة. لمّا كنتُ طفلاً واخوتي في الليل نائمون، كنت أوشوش في آذانهم قائلاً بأنّني أحبّهم. كنتُ متيقّنًا بأنّ الأمر سيترسّخُ في عقولهم مدى الحياة باتّباعي هذه الطريقة، وأنّهُ مهما حدث لمّا تمرّ السنين ونكبر، لن ينتابهم الشك بحبي واخلاصي لهم بتاتًا. لا أدري ما علاقة هذه الذكرى بالحكاية، لكنّها كانت تلوحُ في الأفق بينما أقرأ تغريدة لم أفهم محتواها وماما تنتظرُ إجابة.
- أنتِ من علمني طبعًا. أتذكرُ الأمرَ جيّدًا.
- أني! مستحيل. أمتى شُفتني قايمة يد حد ولاّ نقرا في يد حد؟
فاتتني هذي، وسيبدو سكوتي اعترافًا بحقيقة الأمر. تمْتمت ملمّحة لأنّ جدّي وحدهُ كانَ يقرأ الكف، ثمّ تساءلت ان كان هو من علمني! 
- سمعته يقول مرارًا أنّه لمّا ينظر لكفّ أحد ما، يرى طرقًا وحيوات. مش حتى انت تقول هكي؟ 
لم أرد، ولم يعد ثمّة جديد على احداثيات تويتر، فانتقلت للتأكد من صندوق الرسائل. في تلكَ اللحظة رأيتُ راحتاها تتمددان أمامي وسمعتها تسألني ماذا أرى. أطفأتُ الشاشة، وابعدتُ يديها قائلاً أنّني لا أجيدُ هذه الأمور، أنّني حتى لو - افترضنا - فعلت ذلك في يوم ما، اليوم لا أستطيع. دار السكوت لبعض الوقت. أعرفُ نوع هذا السكوت. انّه النوع الذي سيتبعه حكاية أخرى دون أي مقدّمات لها. هذه الحكاية كذلك، سأصغي إليها كما لو أنّي أسمعها لأول مرّة. 
قالت: لمّا توفت أمي الله يرحمها كنت أذهب لأبي كل يوم وأبكي وأقول له أنّني استاحشتها. في الأول وسّع باله معي وحنّ عليّ، لكن بعدين، انت تعرفه، طارت خلوقه، وفي يوم سألني تبّي تكلمي أمك؟ قلت له ايه. قال لي سأحضرها لك، ستكونُ في انتظارك بغرفتها بعد قليل.  قلت له حاضر ثمّ قررت أن أستحم. في الدوش بدأت أحسّ بشيء ما لم أختبره من قبل. شعور بانقطاع أبدي، وبرود تجاه أي فكرة تخطر على بالي. لم أكن قادرة على التفكير، وكان كل شيء ينزل مع الماء ويتّجه نحوَ البالوعة. لمّا خرجت من الحمام وجدت أبي يقف أمامي في أخر السقيفة، وخلفهُ غرفة النوم ببابها المردود. قال انّها تنتظرني، ثمّ سألني لو كنت جاهزة. نظرتُ للغرفة خلفه والى الاضاءة الخافتة وظلّ الأثاث على الحائط، وكنتُ أفكر بالظلّ كثيرًا لأّنني في تلك الأيام قرأتُ رواية يذكر فيها أنّ الأرواح لا تعكس ظلاً. أخبرتهُ أنّني غيّرت رأيي. أعقابها أخر مرة أرى أمي تكون في صورة غولة. ماقدرتش. 
ثم اعترفت بندمها على ذلك اليوم، وتمنّت لو التقت بها ولو لمرة أخيرة، وربما بذلك استطاعت أن تكشف سرّ احضار الأرواح فتحضر روح أبيها اليوم. كانت ستضيفُ شيئًا، لكنّها لم تفعل، ثمّ سرحت بعينيها خارج النافذة. كان الطقس بديع في الخارج على غير العادة، والوقت ظهر. جدّي يحب فترة الظهر. أقصد، كلّما تذكرته، تحضر الذكرى أثناء الظهر، وتكون الذكرى معه أيضًا أثناء الظهر، لمّا تستقيم الشمس في السماء. 
سخرت من نفسي لمّا حاولت عبثًا احضار صورة ظلّه.



بقايا نص احترق





عليّ أن أكتب رزمًا من الورق، ثم حرقها، وتكرار الأمر خمسة وعشرين مرة. سمّيها ما شئت: مهمة تكسير السرد، أو مشروع لمحو اللغة العربية. صارت المسكينة جثة في كيس، ولسنا قادرين على أخذ قرار في الطريقة المُناسبة لدفنها.
ما مصير كاتب فقد متعة القراءة بلغته؟ ماذا لو كان هذا الكاتب متمسك بلغته؟ وهل من الضروري أن نجد معنى للكتابة كي نكتب؟ الشرخ في الفكرة يثير القلق.. والقلق منيّك. 
لدى حاولت افراغ الحكاية على الورق فامتلأ به وضعت فيه ثم قمت بحرقه. كم ورقة حرقت حتى الأن؟ 300! 400! 500! أخر رزمة حرقتها كانت حوالي مائة صفحة. العادة في حرق المسودات تحوّلت لادمان. لا أذكر من قال أن أعظم ما كتب في الأدب نصوص لم يطّلع عليها أحد، وأنّ أروع الحكايات لن تُنشر. آقال أحد ذلك حقا؟ كافكا كان يعرف ان صاحبه لن يحرق نصوصه، لو أرادَ حقًا حرقها لفعل الأمر بنفسه، لكنّه كان يعلم، وكتب الرسالة وهو يعلم. أضحك على حكايا النصوص الضائعة ومرثياتها. الكتابة ستندثر، واللهب هو الحقيقة المطلقة. 
لمّا أقرّر حرق الورق، أقطع السبيل حتى أصل للغابة. أنصب هناك خيمة، ولمّا تغرب الشمس، أضرم النار مستعينًا بورق كرّاس الجيب، ينتابني حينها مزيج من القلق والراحة والهيجان والخمود، هواء حارّ يُلهب أصابعي، وضحكة أعمل جاهدا على كبتها، لأنني لو أطلقتها سأخاف منها. يكثر اللُعاب في فمي وشيء ما يدغدغ صدري، أفكار تتداخل في رأسي وتتشابك، أرمي رزمة الورق في النار، وأعد العشاء عليها. 

عن الزئبق والمطّاط





مرة أخرى، وجدتُ نفسي خارج الغابة، على الطريق، أفكّرُ في الرحلة القادمة للوصول للبيت. أقولُ مرّةً أخرى، لأنها ليست المرّة الأولى، وليست الثانية ولا الثالثة ولا حتى الخمسين. ثمّة شك في داخلي. حالة من الرّيبة والدَوخان، وفي الوقت ذاته لا أودّ أن أسرحَ بعيدًا في أفكاري أو تذكّر أي شيء حدث ويحدث وما سيحدثُ أيضًا. كلّ الأصوات قرع طبلٍ في مقطوعة الكترونية، كلّ الأصوات قهقهة مطّاطية متزأبقة. 
وتساءلتُ لو أنّ للزئبق لون، الاّ أن نيكولا لم يقل شيئًا. التفتُّ فرأيتهُ ينظرُ الى الأمام. كررتُ السّؤالَ مُجددا مناديًا اسمه قبلها. التفتَ نيكولا اليّ، على عينيه نظارة حمراء، وبدا أنهُ لم يفهم السؤال، ثمّ لم أفهم أنا السؤال، وأضعته لمّا حاولتُ شرحه، وحينَ فشلت في استرداده نظرتُ أمامي، وحسب.. لم أقم بأي أمر أخر. لم أفكر، اذ فكرتُ في أن التفكير وأنا في هذه الحالة ليس فكرةً جيدة. وفي عزّ  انهماكي في التفكير، سمعتُ ضحكة خفيفة تصدر من نيكولا، ضحكة خفيفة، أو ربّما كانت كحّة. لا أدري، فضحكت، ليس هذا وحسب، بل التفتّ  اليه وربتُّ على كتفه ثمّ ضحكت، ضحكة مطّاطية، هكذا، أو زئبقية، دونَ الحاجة لمعرفة إن كانَ للزّئبق لون أو رائحة، ثم تنفست، وحينها خطرَ على بالي ان هذا النفس هو ما يسمّى في القصص والرّوايات بتنفس الصعداء، وتأكدتُ حينها أن لا حاجة لمعرفة الكلمات لو عرف المرءُ موقعها في الاعراب، وبعدها بقليل، حين بدأت الافكارُ تتسابق في ذهني حول ما هية الاعراب، قررت مجددا التوقف عن التفكير لأنه في هذه الحالة ليس فكرةً جيدة. نيكولا الذي كان يمشي بالقرب مني تلاشى، وباتت الطريق أمامي تتمدّد بالحرارة وتنكمش بالبرودة، وحين أحسست بأنّهُ لم يتلاشى، بل شعرتُ به يقفُ ورائي، التفتُّ، ولم يكن قد توقف، بل مُستمر في المشي بمحاذاتي. التقت عيوننا، التقت للحظة، ورأيتُ فمه يتّسعُ مُبتسمًا، ثمّ يقول: لماذا نفعلُ هذا بأنفسنا يا مو؟ 
لمحتُ سحابة في السّماء، ولم أرى الشمس.



هذه ليست رسالة هُدنة





وحتى ان مشيت، فلن امشي لقدّام.  وبذلك تفوزُ أنت بالرهان، ولن أحتاج أنا لدقّ وشمة على جبينك. في آخر الامر، أنت من كان مُصرّا على هذا الرهان، ولم أجرؤ على إخبارك أنني لا أرغب فيه، لأنني لم ابدأ المراهنة بعد. فهمتُ الأمر لاحقا وصرتُ أراهن بأي شيء وعلى كل شي. راهنت حتى عليك، لكنّك الرهان الوحيد الذي أخسره دوما، لدى فالشعور بيننا مُتبادل. 
أرى كل شيء يتهاوى، وأجلس لأراقبَ الحدث، أعترف أنني لم أعتد هذا الأمر، أقصد، الجلوس للمراقبة. في يوم من الأيام كان عندي رُهاب الكراسي. لكنهُ تلاشى مع التقدّم في السّن. أجلس اليوم على الكرسي كل الوقت: كرسي العمل، كرسي الأكل، كرسي القراءة، كرسي السيارة وكرسي المقهى وكرسي الحانة، وحتى كرسي المرحاض.. واحذر مالذي تغيّر أيضا؟ لم أعد أحرس مؤخرتي من الحنش كلما جلست على كرسي المرحاض. ألم أخبرك عن رُهاب الحنش من قبل؟ لا أدري لمَ كلما تذكرت ذلك، تذكرتك.
لست جيدا في ساحة المعركة، لا أجيد اختيار التوقيت المناسب، ولم أقرأ "فنّ الحرب". ربّما لا تحتاج الحروب لهذه العدّة من الأساس، ما أحاول قولهُ أنّني أختارُ أقصرَ الطُرقِ دومًا، ولهذا لا أفهم الحرب. الاختصار في هذه الحالة طريق مُظلم، وبطبيعتي لن امشي لقدّام. الطرق الاخرى مُقفلة، كأبواب المراحل المتقدّمة في ألعاب الفيديو. كتبتُ مرة عن صوت ينفجرُ في أذني فيأخذني لصورٍ لا أذكر عنها شيئا، وذكرتُ هناك ذلكَ الشُعاع الأصفر على الواجهة الزجاجية أمامي، الا أنّي لم أذكُرك، ولم أذكر أيضا أنك الواقع الوحيد في كل ذلك الخيال.
سأجلس الأن، على هذا الكُرسي، وأراقب كل شيء يتهاوى. سأقنع نفسي بأنني لن أندم يومًا على خياري. سأستخدم ورقة قديمة حضّرتها كعريضة لمقابلة الله يوم موتي، فأخبرهُ فيها عن أسباب كُفري. لم أعد في حاجة لهذه الورقة كحجّة، لأن سبحانه تبخّر زي أبطال الرسوم، لكن بعدَ مُراجعتها وتعديل ما كتبتهُ فيها، ستكون جاهزة لمُقابلتك يوم يتهاوى كل شي.


سينفجر الصوت وستكون له أذناك




ثمّة صوت يشدّني من أذني. لا أجيدُ وصفَ الأصوات! لكن أستطيعُ القولَ أنّهُ شجن يسبحُ في الفضاء. لا، بل سأختزله في ثلاث كلمات: شجن في الفضاء. الصوتُ بحدّ ذاتهِ ليس مهمًا، بل الإحساس الذي يولده، أو المشهد الذي يأخذُ إليه أو الذكرى التي يردّها عالبال. لا شيء منها يبدو واضحًا. أرى بحرًا والوقتُ عشية. أرى السماء وباخرة في البعيد. أحيانًا تأخذني الى أبعد من ذلك، فأرى الليل وشُعاع ضوء أصفر ينعكس على واجهة زجاجية أمامي. مرّة رأيتُ صيادًا يرتدي قميصًا أحمرًا. رجل كبير في السن، نحيل، بلحية خفيفة، يُحرّك فمه طوال الوقت، ولهُ عظام وجه بارزة. إنّ الحيرة تأكل من عينيه نصيب الغالب، ولا يكفّ عن حكّ رأسه كلّما تقدّم به العُمر دقيقة. أعتقدُ بأنّني رأيتُ هذا الصيّاد هنا فقط، في هذه اللحظة التي فجّرها الصوت برأسي. ليس في ما أكتبهُ أيّ واقع ملموس. انّهُ وهم يعيشُ في رأسي. أحبُّ الاحتفاظ بالأوهام. الأن، وقد تلاشى الصوت وانتهت الأغنية، أفكّرُ في السلطعونات والحيتان، أفهمت؟ أنا لم أفهم! وليس عندي رغبة في أن أدوخ. انتهت السيجارة. سأعودُ للعمل.

الخروج للسهر حسبَ المُعجم الليبي





لو تعلمتُ شيئًا من سنوات الخروج للسهر في النوادي الليلية بلندن، فإنهُ لن يكون شيئًا واحدًا، بل اثنان: عدم السهر مع ليبي، وعدم اردتيادها من الأساس. فالمراقص والنوادي الليلية في لندن أماكن كئيبة، لا يفعلُ الشخص فيها سوى الشُرب بسرعة والانصراف مطرودًا على تمام الثالثة أو الرابعة صباحًا. الدولة تفرضُ رخصًا محدودة الساعات على محلاّت الرقص والحانات، بالإضافة إلى القوانين الصارمة في بيع الكحول بعد الساعة العاشرة مساءًا. لندن ليست مدينة مسلّية لكائنات الليل وطقوسه، مُحاصرة دومًا بدوريات الشرطة وكاميرات المراقبة. أمّا حرّاس الأبواب في النوادي الليلية، فإنّ حياتي ستكونُ افضل ان تحاشيتُ التعامل معهم. قليلة هي المرّات التي دخلتُ فيها ناديًا ليليًا دون "مُناوشة احترازية" مع الحرّاس على الباب. أظن أن هذا يعودُ لتجربة الخروج للسهر مع الليبيين، أو ربما لأنّني ليبي. لسبب ما لا أجد له تفسيرًا، فإنّ الخروج للسهر بالنسبة لشاب ليبي، يعني عركة. أحد الأصحاب مثلاً، ونسمّيه الدّلوعة، كان فنانًا في اقتناء الحزام الذي سيرتديه للسهرة: حزام سميك بقبضة معقوفة، لوازم السهرة، هكذا يقول. لما يكون المرء ليبيا مقبلا على السهر، فمن البديهي أن يشرب قنينة فودكا قبل الخروج، وأخرى في الطريق. لا يشربها بمفرده، بل يتقاسمها بتدوير كاسٍ واحد حول النُدماء عوض كاس لكل راس. كنّا نخرج في العادة حوالي عشرة أو خمسطاش نفر من الشقة، مدجّجين بالأحزمة، وحين نصل للمرقص المطلوب يتقلّص عددنا لثلاثة أو أربعة.. لا أحد يعلم ما حدث للأخرين. نراهم في الأيام المقبلة فيخبروونا حكايات عجيبة عن كيف أضاعونا في الطريق. لكل واحد منهم حكاية أغرب من الأخر، وتظلّ حكاية العركة دومًا الأغرب بين كل الحكايات، أو لنقل، الأكثر عنفًا. مرّة خرجنا كأنّنا كتيبة، ولمّا وصلنا النادي صرنا ثلاثة. الدلّوعة والعبسي وأنا. حاولنا الاتصال بالأخرين، هواتفهم امّا مغلقة أو أنّ التغطية عندهم هاربة. انتظرنا أمام المرقص، شربنا ودخنّا ثمّ دخلنا. وهناك تعارك الدلّوعة مع أحد الحراس في الحمام، فانتشر الحراس داخل المرقص ليصطادوه. وقتها كانَ يصيحُ في أذني ليخبرني عمّا حدث. لم أسمع ما قاله جيّدًا، لكن رأيتُ رجلاً قصيرًا بصلعة مغلّفة بالدم يتّجه نحونا، وقبل استيعاب الأمر رأيتهُ يسحب الدلّوعة من ياقة قميصه ثمّ يلكمهُ في وجهه. تدخّل العبسي ودفع الرجل بعيدًا، الاّ أنّ الحراس هجموا من جميع الاتجاهات. توقفت الموسيقى وانتشر صوتُ الصراخ وارتطام الكراسي. لقد تناولتُ الاكستاسي لأول مرّة في حياتي تلكَ الليلة، وكنتُ لا أزالُ مُتفاءلًا وعلى ثقّة بأنّ مُعجزة ما ستردّ الأمور لطبيعتها المليحة. لكنّني تلقيتُ صفعة الواقع المريب في لحظة رفعتُ رأسي فيها فرأيتُ الدلّوعة يصعدُ فوق طاولة البار، ثمّ ملوّحًا بحزامه وهو يحلف برحمة أمه أن ييتّمَ أطفالا هذهِ الليلة. لقد خشّت بعضها، حقيقة هذه المرّة، فدبّرتُ أمر خروجي من النادي بالتسلّل وسط الجموع، ناسيًا أو تاركًا فردة حذائي والدّلوعة والعبسي. طلعَ الصبح وأنا أقطع الجسر الى الضفّة الجنوبية للمدينة عائدًا الى الشقّة، وهناكَ عاهدتُ نفسي على عدم الخروج للسهر مجدّدًا مع الدّلوعة، ولا مع أي مخلوق ليبي على وجه هذا الكوكب. نسيتُ العهد بطبيعة الحال، فالعادات القديمة لا تندثر بين ليلة وفراقها. لمّا اطلق سراح الدلوعة خرجنا للسهر كي نحتفل. غادرنا الشقة تلكَ الليلة وقد كنّا عشرة أنفار مدجّجين بما أوتينا من أحزمة وأسلحة خفية. في تلك المرة، كنتُ أنا من أضاعهم في الطريق. سأراهم في الأيام المقبلة وأخبرهم حكايات عجيبة عن كيف أضعتُهم. ستكونُ حكايتي غريبة، لكنّ عركة الدلوعة ستكونُ الأغرب.


ماخور الدُمى المُتحركة





في حوار طويل مع الشاعر ساندرو آكونتو، نُشرَ في كتيّب "رجال كهربائيون فوق سطح القمر" – منشورات المستقبليون 1938، قال الشاعر الشاب أنّ ثمّة حدثين مهمّين ومفصليين في حياته، الأول نجاته من محاولة الاغتيال التي تعرّضَ لها من قبل الفاشيين بسبب ميوله الجنسية، والثاني حدث مؤخرًا، وكانَ قراءته لرواية "ماخور الدُمى المتحركة" للكاتب الليبي موميتّو بنتييرو.
لم تُنشر هذه الشهادة ولم يُذكر السؤال ولا الاجابة عندما نُشرَ الحوار. وهذه الحكاية عن موميتو بنتييرو.. انها حكاية غريبة، لكنّها ليست الأغرب بين القصص. لستُ ملمًّا بكل تفاصيلها، لكني سأحاول اختصارها هنا في أقل من ألف كلمة وأن أسردَ فيها ما أعرفه فقط. للباحث عن الخلاصة في القصة، ماذا أقول؟ سيموت في الأخر. لا أحد يعرف أين وكيف، وحتى لو عرفنا، موته لن يكون سوى حدثًا ثانويًا في هذي الحكاية.

اسمه محمد بن طاهر، ولد في زنقة الدباغ، أمام باب الغدر في الجزء الجنوبي للمدينة القديمة بطرابلس. لا تتوفّر الكثير من المعلومات حول طفولته، والشيء الوحيد المؤكد أنّه امتهن العمل كدليل سياحي للاجانب الوافدين على طرابلس منذ سنّ باكر. 
نشرَ مقاله الأول بالعدد السادس من صحيفة تريبولي تريبيوني، ويسردُ بن طاهر في ذاك المقال حكاية تعرّفه على رحّال ألماني جاء لطرابلس طمعًا في العثور على جماجم للعرب واجراء بعض الاختبارات العلمية عليها. كتب بن طاهر مقاله بأسلوب عفوي، وأجاد فيه المزج بين اللغتين الايطالية والعربية، وكذلك القليل من الألمانية التي تعلّمها أثناء رحلته مع الألماني. أُعجب محررو صحيفة تريبولي تريبيوني بمحمد بن طاهر، ورأوا فيه الرجل المناسب لمشروع دمج السكّان الذي أطلقهُ الحاكم الجديد في المُستعمرة. 
ثمّ صدرَ مقال أخر له حول المعمار الجديد لمدينة طرابلس، أو ما سمّيَ وقتها بمشروع طرابلس الجديدة. كتبَ بن طاهر المقال في أيام قليلة، ثمّ أتبعه بأخر حول المشاريع الجديدة بمنطقتي الظهرة وفشلوم، وفي نفس العام نشرَ مقالاً طويلاً بعنوان "الطريق لقوس النصر"، يسرد فيه رحلته مشيًا من زنقة الدباغ عند باب الغدر الى راس جدير. 
خلال عام من المواظبة على الكتابة والنشر، استطاع بن طاهر أن ينمّي أسلوبه وأن يصقل مفرداته. كما صار ملمًّا بأدوات كتابة المقال الصحفي، وحافظ أيضًأ على نفس كاتب الرحلات فيها. 
بعد سلسلة من التقارير اليومية حول مهرجان سباق الفورملا في قاعدة الملاحة صارَ محرّرًا في الصحيفة. أول شيء قام به من موقعه كمحرّر، أن أرسلَ للحاكم طلبًا لاجراء حوار صحفي معه، وقال في رسالته أنّهُ يودّ أن يعرفَ من هو ايطالو، الرجل العادي، لا القائد الوطني. 
ردّ ايطالو بحفاوة ودعى بن طاهر للقاءه بمكتبه في قلعة السراي. نُشرَ الحوار على حلقتين في نفس الجريدة، وكانت هذه المادة هي الانطلاقة الفعلية في مسيرة محمد بن طاهر الأدبية. أرسِل بتوصية من الحاكم للدراسة الجامعية بسبياتزا دي روما. لكنّهُ لم ينسجم في الصفوف ولم يعتد الحضور، وأكتشف مبكرًا أنّ مقاعد الدراسة ليست له. فقطعها، وانصرفَ لقراءة كل ما توفر أمامه من كتب ومجلات في المتاجر والمكتبات. تعرّف على حركة المستقبليون، وتأثر بأفكارهم ورؤاهم للعالم. كما تعرّف أيضًا على سولار، المجلة الشهرية المشهورة بنشر القصص القصيرة والمُتسلسلة للكتّاب الشباب.
أثناء قراءته لاحدى أعداد المجلة، خطرت في باله لأول مرة مشهد وقوفه ذات يوم وهو في شارع صقلية بوسط المدينة الجديدة بطرابلس، الشارع المشهور بمحلات الملابس والازياء الاوروبية، وكان برفقته رحّال بولندي جاء باحثًا عن الأفيون المستخرج للتوّ من نبات الخشخاش. كانا كليهما تحتَ تأثير المخدّر، وكانا ينظران بشرود الى مركبة تتبعُ موكبًا احتفاليًا وتحمل دُمىً بدت كما لو أنّها جثث بماخور. كتبَ ذلك  المشهد ووصفه في ورقتين، ثمّ أرسلهُ كقصة قصيرة لعنوان مجلة سولاريا. لم يصله رد، ولم تُنشر القصة. لكنّ هذا المشهد نفسهُ سيكون افتتاحية لقصة طويلة، كتبها دفعة واحدة ذاتَ مساء، ووضعَ لها عنوان إل فوغابوندو. أرسلها الى ثلاثة دور نشر يثق في اصداراتها. وصلهُ رفض الدار الأولى دون مبررات، وأرسلوا له من الدار الثانية اعتذارًا قائلين أنّ القصة ليست مستقبلية بما فيه الكفاية. ولم يصله جواب من الدار الأخيرة. بعدَ عام ونصف ستُصدر هذه الدار كتيّبًا يحتوي قصة في ستين صفحة، بعنوان ماخور الدُمى المتحركة، ولكاتب يدعى موميتو بنتييرو. تدور أحداث الرواية في مدينة طرابلس، لكنّ الزمن فيها غير معروف. 
اختفى محمد بن طاهر، واختفت مقالاته من صحيفة تريبولي تريبيوني، وكان مشروع ايطالو بالبو في المستعمرة تحت التهديد بسبب الأجواء المشحونة بين الناس على خلفية تجنيد ايطاليا للعرب وارسالهم لغزو أثيبوبيا. الحملة التي روّجت لها الحكومة وصوّرتها لهم كموعد للأخذ بالثأر، تمّ تكذيبها وتجريمها لاحقًا من خلال صحيفة عربية صدرت لمرّة أولى وأخيرة باسم الملحق، على صفحتها الأولى تقرير كامل يُدين فيه جماعة القط الأسود وزعيمهم محمد بن نوري، واتهمهم بأنهم وراء خطّة العفو على بقايا المقاومة ثمّ تدشينهم لاحقًا في حرب الحبشة. 
ليس هذا المهم في القصة، بل المهم أنّ الصحيفة جاءت في أربعة صفحات، خصّصت الأولى منها لذاك التقرير، والباقي قصص ومقالات ورسومات. في الصفحة الأخيرة ثمّة قصة قصيرة جاءت في بضع سطور، عن مرشد سياحي يصعد باخرة، وعوض الابحار، فإنها تغوص به، وتأخذهُ الى مدينة تحت البحر، لا يبدو فيها الناس بشرًا، ولا باقي الكائنات حشرات وحيوانات كالتي نعرفها. 
لم تحمل القصة توقيعًا.. ثمّة احتمال كبير أن تكون أخر قصة منشورة لبن طاهر، وان لم تكن كذلك، فبإمكاننا على الأقل القول أنّها أخر قصة مستقبلية تُنشرُ في ليبيا، في زمن النشر المطبوع.

لم يُسآل ساندرو آكونتو عمّن يكون موميتّو بنتييرو حينَ أعلنَ للصحفي عن الحدثان المفصليان في حياته، اذ خافَ الصحفي على سلامة الشاعر ان نشرَ ما يقوله عن ميوله الجنسية ومحاولة قتله، لهذا تغاضى عن السؤال بالمرة وانتقل للحديث عن توظيفه المكثّف للتشبيهات في قصائده. 
في صفحة بيومياته، والتي نشرت في طبعة محدودة بعد وفاته بعامين (أربعة وثلاثون عامًا منذ حواره المذكور)، كتبَ ساندرو آكونتو عن موميتو بنتييرو قائلاً أنّهُ لا يعلم الكثير عنه سوى ما يذكرهُ الراوي في القصة، والتي تبدو أنّها سيرةً ذاتية للمؤلف، أو على الأقل في معظم فصولها كذلك. ثمّ أضاف أنّ أكثر الفقرات قربًا له، هي لمّا يذكرُ الراوي في الصفحات الأخيرة وقوفه في شارع كوندوتّي بروما، يراقب واجهات المحلات والدُمى المعروضة فيها، لكنّ الدُمى التي يصفها ليست هي نفسها التي نراها في واجهات المحلات اليوم. بل انها دمى كهربائية، يتحرك بعضها بالعجلات، والأحدث منها آلات تطفو في الهواء. تنتهي الرواية حينَ يقرّر الراوي اكمال المسير، فيتحرك به المرشابيدي.


حذف النّص



كتبتُ في الكراس صباح اليوم قصة، لكن لمّا طبعتها أحسّستُ بالخواء، فقرّرت تركَ كل شيء والخروج للمشي. 
في الطريق فكّرتُ في خبر قرأتهُ البارحة حول اقتراب القمر من الأرض هذه الليلة بمسافة لم تصلها من قبل، بدت الفكرة رهيبة، خاصةً لدى قراءة التحذيرات بخصوص الحيوانات الأليفة واحتمال تغيّر طباعها لمّا يقترب القمر. كنتُ أفكّر في القادم، وفي التغيّر الذي قد يطرأ على تصرفات البشر أيضًا. في تلكَ الأثناء، فجأة، اعترضني رجل لم أنتبه إليه حتى صاح يناديني. حتى البارحة، كنتُ لا أزالُ أعاهد نفسي بعدم الوقوف لأي كائن يعترضني، فالأسباب التي تدفع شخصًا في هذه المدينة لايقاف شخصًا أخرًا تعني شيئًا من اثنين: فلوس أو سيجارة. لا أملكُ شيئًا من الأولى، أمّا الثانية، فإنّني مؤخرًا فقط توقفتُ عن اعطاءها لمن يطلب منّي. ضريبة التبغ مرتفعة هنا، وصار للسيجارة قيمة ثمينة عند المدخن.
- هل بامكاني استعارة هاتفك لاجراء مُكالمة ضرورية؟
هاتف؟ يريد هاتفًا! لم يطلب أحدًا منّي ذلك منذ سنوات. كانَ الرجل ضخمًا بكتفين عريضين وبُنية قوية. بدا وكأنهُ ملاكم. لكمة واحدة منه كفيلة لتدخلني الغيبوبة.
- انظر قلت له وأنا اخرجُ هاتفي من جيبي ليس عندي أي رصيد في هاتفي، وأستخدمه فقط لاسقبال المكالمات.
- اوه، واحد من هواتف الطراز القديم. لا أحد اليوم يستخدم هذه الهواتف.
لا أدري ما هي حجّتي في اخراج هاتفي من جيبي. هل لأثبت لهُ أنّ هاتفي رخيص ولا يستحق السرقة. في العادة لمّا يرى أحد ما هاتفي يسألني ان كنتُ مروّج مخدّرات.
- مروّجي المخدّرات لا يزالون يستخدمون هذا النوع من الهواتف. قلتُ له.
- طبعًا، فالهواتف الذكية فخّ للوقوع بأي شخص يلعب خارج حدود القانون. هل تمتلكُ سيجارة؟
أخرجتُ كيس التبغ وبعض الورق والفلتر وأعطيتهُ ما يريد، وندمت! ثمّ شرعتُ في لفّ واحدة لي أيضًا. سألني وهو يُعاين الورق ويرصّهُ بابهامه جيّدًا الى أين ذاهب هذه الليلة. قلتُ له أنّني في طريقي للمحطّة، وأنّني سأغادر هذه المدينة الى الأبد. سألني من أين أنا، فقلتُ لهّ أنّني حتى هذه الأثناء لا أزالُ من هنا، بدت لهُ اجابتي غريبة، فتابع يسألني الى أين سأسافر. قلتُ له على الاغلب سأتّجه للمطار، حيث فيه يصيرُ قرار المغادرة حتمي. 
- لكنّك لا تحملُ حقيبة سفر.
- في العادة أخرجُ من المدن كما أدخلها، وهكذا دخلتُ هذه المدينة، وهنذا سأخرجُ منها.
كان هذا في الواقع صوتَ الراوي في القصة التي كتبتها هذا الصباح.
أشعلَ كل منّا سيجارته، ثمّ حل الفراغ وصار يتمدّد. أكملتُ طريقي بعدَ أن ودّعته، ثمّ عدتُ للبيت وحذفتُ القصة.