أرشيڤ

الاثنين، 4 مارس 2019

هوم؟ وير آر يو فروم؟ أو، حين نعجز عن الاجابة

The Outpost, Arabic edition, Autumn 2016


إذا سَألَني شخصٌ اليوم عن معنى الهويّة، وجاءَ في الغدِ ليُكرّر السّؤالَ نفسه، فإنّ إجابتيّ ستكونان مختلفتان، إذ لا أذكر أنّني سألتُ نفسي يَومًا عن الهويّة أو هويّتي بشكلٍ مُباشر قُبيل بدئي بكتابة هذا المقال.
لا يعودُ الأمر لشيءٍ سوى أنّني لم أكُن أشعر بالاستعداد للكتابة بهذا الصدد، أنّني في مرحلة اكتشافٍ وبحثٍ وتجريبٍ يتطور فيها تفكيري ويتبدّل بسرعةٍ حسبَ الظروف والتقلّبات التي تحدث في حياتي أو ما يحدث في المحيط حولي من أزمات وحروب وهجرة وفاشية وغضب وخوف.
وكما لم أختر في يوم من الأيام ليبيا كبلد أُولدُ فيهِ وأعيشُ فيه الأربعة عشر سنة الأولى من عمري، فإنّني كذلك لم أختر بريطانيا لأهاجر إليها قسرًا والعيش فيها قرابة الاحدى عشر عامًا.
قبيل عام 2011، كان الانتماء هاجسًا، ليس لي وحسب، بل عند الكثيرين من الكُتّاب العرب في نتاجهم الأدبيّ المُتجرّد من الانتماء الوطني تحت السلطة الشمولية، بل إنّ مفهوم الوطنيّة في تلك المرحلة كان عبثيًا حتى بات المصطلح نفسه مدعاةً إلى الضّحك والتنكيت.
ذات ليلة سألني شابٌ تعرّفت إليه في إحدى حفلات "السايكيداليك" الّتي تُقام عادة في شمال لندن: "وير آر يو فروم؟" (من أين أنت؟). لَم أعُد أذكرُ ما كانَ يدورُ في رأسي حينها، فقد كنتُ تحتَ كمّية لا بأسَ بها من الأمفاتيمنات والمُهلوٍسات، وبدا لي السّؤال مَشحونًا بالدّلالات والهَواجس، وأنّ محلّه في خيطِ الكلامِ جاءَ لتصنيفي لا استطرادًا لدردشةٍ عابرة. فسألتُ الشّاب عن سببِ عُنصريّته تجاهي، ليردّ هو بالسؤالِ عن أيّ عنصريّة أتحدّث؟ فقلتُ لهُ بأنّ سؤاله لي باعتباري لست أبيصًا هو فقط لتصنيفي ووضعي تحتَ خانة الآخر. لم يُعجب كلامي الشّاب الذي تعرفت عليه للتو، وأحتج بالقول أن ما يُميّز لندن عن سواها من المدن البريطانية أنّ الشخص فيها يتعرّف يوميًا على عشرات البشر من بُلدانٍ وثقافات مختلفة، وأنّ هذا نادر الوجود في مدن أخرى عاش فيها.
لم تكُن تلكَ هي المرّة الأولى الّتي أسمعُ فيها هذهِ الكلمات المأخوذة بكوزموبوليتانية المدينة، ولطالما تساءَلتُ في داخلي عن متى سنفهم بأنّ تركيزنا على إكزوتيكيّة العِرق واللهجة والدّين ولغة الجسد نابعة من نفس جوهر فكرة الفاشية.
لم يتحدّث أيٌّ منّا بعد ذلك، مرّت دقائق طويلة من الصّمت، وسرحَ كُلّ منّا داخل عقله. منذ ذلك الحين، وعلى مرّ العامين المقبلين، توقّفت عن إجابة سؤال الـ "وير آر يو فروم" المؤرِق.

*
لم يكن الأمر سهلا في البداية، ثمّ مع الوقت صار عبثيًا. المقيم في لندن معرّض دومًا للسّؤال الأزلي عن البلد الّذي ولد فيه أو الّذي جاء منه والديه. إنّه أمرٌ روتيني يتعرّض إليه الشخص في العمل والحانة والدّكان المُجاور للبيت أو مع أي شخصٍ تتعرّف إليه مصادفةً في موقف ما، ولطالما يأتي هذا السؤال كاستطراد في الحديث أو وسيلة لاستكمالِ دردشة عابرة أو حجّة أثناء حدوث تلك اللحظة التي ينقطعُ فيها الحديث عند المنتصف. أحيانًا يسألُ أحدهم شخصًا آخر عن بلده اعجابًا به، كأنّ كلّ شخصٍ آخر من نفس البلد سيكون شبيًا به، والأنيَك من السؤال دومًا، هو الرّد.
حينَ توقفت عن الردّ، وجدتُ نفسي مُعرّضًا لأسئلةٍ أخرى ونقاشاتٍ وجدالاتٍ لها أبعادٌ عدميّة. كان من المُستحيل أن أقول أنّني من لندن مثلاً، لأنّ سؤالاً أخرًا عن أصولي سيكونُ جاهزًا، رغم أنّ الانتماءَ الى هذه المدينة أقربُ لي من انتمائي الى أي مكان أخر. تجاربي وأفكاري تبلوَرَت أثناء اقامتي فيها.
لقد باتَ الرّد على سؤال الـ "وير آر يو فروم" ولو بالنفي مُملاً، ولم أعد مُهتمًا بالاستمرارِ في التعرّف على أيّ أحدٍ يَسألني عند أولّل لقاء عن البلد الذي جئتُ منهُ، وتدريجيًا، باتت علاقتي بالآخرين تتقلّص.
ذات مرّة أيضًا على سبيل المثال، أخبرتُ ناشرًا بريطانيًا كان مُتحمّسًا لنشر روايةٍ مستوحاة من طفولتي في ليبيا أنّني توقّفتُ عن كتابة الرّواية، وأنّني بصددِ البدءِ في كتابةِ واحدةٍ أخرى عن شخصٍ دون اسم، دون بلد، دون تاريخ، دون عُمر، دون أي شيء على الإطلاق، شخصٌ عالقٌ في رحلة سيئة بغابة ولا يعرف طريق العودة. أحبَطَت الفكرة النّاشر، وسألَني أن أعود لكتابة الرواية المستوحاة من طفولتي في ليبيا، وقال انّه سيكون دومًا في انتظارها، ثمّ نبّهني أنّ هذا الوقت الذي نعيشه هو الأفضل لنشرها وترويجها. لم نسمع من بعضنا منذ ذاك الحين.

*
لقد تشكّل انتمائي لليبيا بعد خروجي منها برفقةِ والديّ واستقرارنا بمدينة مانشستر منتصف العام 2005، كنتُ أعلمُ حينها أنّني أودّ أن أصيرَ روائيًا، ولم أكُن أجيدُ من اللغة الانجليزية سوى ثلاث جُمل هي: "وات از يور نيم؟" (ما هو اسمك؟)، و"هاو أولد آر يو؟" (كم عمرك؟)، و"وير آر يو فروم؟" (من أين أنت؟)، والتي تعلّمتها تلقينًا في منهاج اللغة الانجليزية خلال المرحلة الاعدادية بليبيا.
حينَ اكتشفتُ وجودَ المكتبة المركزية بمانشستر، وجدتُ فيها العديدَ من الرّوايات بالغة العربيّة لكُتّابِ ما باتَ يُعرفُ بأدبِ المَهجَر، كروايةِ سليم مطر "امرأةَ القارورة"، و"عراقي في باريس" لصموئيل شمعون، و"صخب ونساء وكاتب مغمور" لعلي بدر و"انها لندن يا عزيزي" لحنان الشيخ، وغيرها من الرّوايات الأخرى الّتي تُسائل الانتماء ويتوق أبطالها للهجرة، متخلّصين في الوقت ذاتهم من انتمائهم الوطني. بالتالي، فقد بُنيَ انتمائي إلى ليبيا على مفهوم اللا-انتماء إليها. ربّما لهذا حين حدثت الانتفاضة في ليبيا وباتَ الإحساسُ بنهايةِ النّظام الشّموليّ وشيكًا، خُيّلَ لي أنّ كلّ ما قرأتهُ من تلك الرّوايات سيُضاف إليها فصلٌ أخيرٌ يُمثّل كلّ النّهايات السعّيدة لها.
كانَت هذه بعضٌ من الرّوايات التي قرأتُها في حينها، وتشكّل حولها وعيي الرّوائي، لأُنتجَ من بعدها قصصًا ونصوصًا أستمدُّ فيها من تجربتي في ليبيا خيطًا لها.

*
لم يكن في الأدب الليبي قبيل عام ألفين وحداش أيّ من تلك الصّور الواقعيّة الّتي كانت في الروايات العراقية بعد الألفين وثلاثة. فالكتّاب اللّيبيين الّذين لا يزالون تحت السّلطة الشّموليّة كانوا قد لجؤوا حينها إلى الرّمز والتأويل في معظم نتاجهم الأدبيّ.
صالح السنوسي مثلاً كتب عن مفهوم الهويّة داخل إطارٍ سرديّ في روايته "سيرة أخر بني هلال" الصادرة عن دار الهلال عام ألفين، والّتي يتحدّث فيها عن شاعر عربيّ – دون ذكر اسم البلد – يهرُب من بلدهِ إلى بلدٍ مُجاور لطلبِ اللجوء السّياسيّ، وعلى الرّغم من منحهِ حقّ اللجوء هناك، إلاّ أنّ مُخابرات الدولة المستضيفة تعتقلهُ كلّما حدثت مشكلة في البلاد وتوجّهُ لهُ تهمًا باطلة، حتى يتم في الأخر تهريبه بواسطة باخرة ذاهبة إلى فرنسا، هناك حيثُ يحصلُ على اللجوء السياسيّ ويعيشُ حياةً بسيطة رافضًا العمل لدى الصّحف العربيّة في باريس باعتبار أنّ تمويلها من تلك الحكومات الّتي هرب منها، وكذلك يرفض العمل لدى مُنظّمات حقوق الإنسان الغربيّة الّتي يَرى بأنّها تُعارضُ همومه وقضاياه القوميّة. وبهذا تصير شخصيّة عدنان في رواية السّنوسي شخصيّةً مهزومةً بالكامل، لا يوجد أيّ بديلٍ أمامها حتّى في أوروبا، والتي كانت الخلاص بالنسبة لكُتّاب الروايات السابقة التي ذكرتها.
يقول السنوسي في حوار أجري معه حول الرواية: "عندما كنت أعيش في ليبيا لم أكن أشعر بذاتي، لأنه لا أحد يذكرني بها، ولكن عندما التقيت بهذا الآخر الغربيّ من خلال أفعاله وردودها شعرت بذاتي وحدودي الثقافية".
كل الروايات التي سبق ذكرها انتهت بالهجرة أو الهزيمة. بطل "امرأة القارورة" آدم ينتهي بهِ الأمر جالسًا على جبالِ الألب يشرب النبيذ، وصموئيل شمعون يُغادر باريس بعد ثلاث سنوات قضاها مشرّدًا، وعدنان بطل رواية السّنوسي يُغتال بالرّصاص في وضح النّهار بباريس وتُساق القضيّة ضدّ مجهول، أمّا علي بدر في "صخب ونساء وكاتب مغمور"، يُنهي السّرد على لسان الراوي واصلاً أقصى أنواع كراهيّة الذّات بعد أن خابت كل المساعي العبثية في الهجرة، ليس إلى أوروبا وحسب، وإنّما الى أيّ بلادٍ أخرى بعيدة عن العراق، حيث يقول الراوي في الخاتمة: "نحنُ الجيل الأخيرُ من عِرقنا، عِشنا على مأدبةٍ كُبرى للأخطاء، نحنُ جيلُ الأخطاء، حَلمنا على وسادةِ آبائِنا، حلمنا بكلّ شيء: بالحبّ وبالصّخب وبالنّساء، وبِما لا أدري أيضًا، لكنّنا حَلمنا بالطّريقة الخطأ، آباؤنا خطا، سياستهم خطأ، ثقافتهم خطأ، وحتى زوجاتهم خطأ".

*
مالعمل إذن يا مو؟ أو محمد، أو أيّ اسم تختاره لنفسك، أو حتى دون اسم. كنتُ أتساءَل كعادتي دومًا، وبدون وعي وجدت نفسي خارج مساحات الانتماء بمعناييه الجغرافي والأيديولوجي. تعثرت بقصيدة الجيلاني طريبشان، الشاعر الذي هرب من ليبيا بعد انتفاضة الطلاب في الستّة وسبعين الى بغداد ومن ثمّ الى دبلن وعيشه هناك فترة حتى اتعبه الحنين وعاد الى ليبيا، ليجد نفسه محاصرًا فيها، ويتساءل عن أسباب العودة، فكتب قصيدة مكابدات، حيث يكتب في مطلعها: "مالّذي جئتَ تفعله / في بلاد لستَ تعرف فيها أحد؟ ما الذي جئت تفعله؟ / فالدوائر ليست كما تتراءى الدوائر / والشوارع عامرة بالأفاعي / والبنات يداومن في الصبح في الثكنات / والقبائل تتهيأ للرقص / في مهرجان النظام الجديد / مالذي جئتَ تفعله؟"
فجأةً، صارَ هناك نفحةُ انتماءٍ وفخرٍ مجتمعين، وباتت الكتابة بعد ذلك تأخذ مكانًا أخرًا، حيث الخير بيّنٌ والشرّ بيّن، وحيثُ الانتماء عوضًا على أن يكون للكتابة، باتَ عِوضًا عن ذلك هوية مسخّرة بالكامل إلى الانتماء الجّغرافيّ والحنيني.
كان هناك شيء ما في داخلي ولد من كامل الإحساس بعدم الانتماء، وباتَ نقيضًا لكلّ ما آمنتُ بهِ من خلال قراءاتي الرّوائية وتأثيرها لاحقًا على نتاجي السردي. لم تعد فكرة أوروبا طوقًا للنجاة، بل العودة هي التوقُ الأكبر، وفكرتُ بأنّ الأجيال الّتي من قبلنا سَعَت للهجرة إلى حيث الأمل في حياة أفضل، بينما الجيل الأخير، فهو يستدعي ذلك الأمل نفسه وينتشله عوضًا عن السّعي إليه.
إلاّ أنّه عند سقوط النّظام الشمولي، وعلى امتداد الأشهرِ من بعدها، بتُّ ألحظ استمداد السّلطة الشموليّة من قوّة السلطة الأبويّة في المجتمع، وكمّ تأثيرها على الجّيل الأخير من الشباب، منتشلو الأمل، سواء الذين كانوا في الجبهة أثناء إسقاط النظام أو الناشطين في الحركات الاجتماعيّة من بعدها، وجدتُ نفسي بعد سنين من الانفراديّة وتجريب معاني الحرّية وأخذها الى مُستويات أبعد في كلّ مرّة من "دوجما" الدّين أو الجنس أو المجتمع، وجدت أتنازلُ عنها لصالح قضايا بديهية، كحرّية المرأة وحق ذهابها الى المقاهي دون وصاية، أو حرّية المعتقد في الدستور، أو غيرها من الأمور التي اعتبرها الاعلام الجديد حينها "ظاهرةً صحيّة".

*
تبدّلت الأمورُ بسرعة بعد الألفين وحداش، ووجدتُ نفسيَ مُجدّدًا أُسائِلُ انتمائي، وأتساءَل مُجدّدًا عن ماهيّة الهوية أو بالأصحّ، ما علاقتي بهويتي؟ هل هي الأمورُ التي استطردتُ في سردها أعلاه؟ ماذا عن التّفاصيل في كلّ ما قلته؟ ماذا يُمثل تاريخي الجّغرافي في صقلِ هويتي؟ التّجارب الّتي عشتها والهويّات الجماعية والتّاريخية الّتي مررتُ بها، سواء في كوني من أصول ليبيّة أو عربيّة أو مُسلمة، ألا تعني حقًا هذه الأمور لي أيّ شيء كما أشعر؟ وهل من المُمكن أن يكون شعوري هذا غير مصيب؟ ولكن ماذا عن المجتمعات الصّغيرة في الثقافات الفرعية التي انخرطتُ فيها، والّتي ساهمت بشكلٍ مُباشر في صقلِ هُويتي؟ ماذا عن تأثير مشاعر الشخص في صقل هُويته؟ هل للسؤال السابق معنى؟ أقصد، هل الهويّة هي مجرّد إحساس أم أنّها دافعٌ للدفاع عن الحياة، أم ماذا بالتحديد؟ وما لجّدوى منها حتى وإن وُجدت؟ ذلك أنّ الهُوية بحدّ ذاتها اختراعٌ بشريٌ، بالتالي صارت كما الحلقة المفرغة نحشو بها أفكارنا وهواجسنا. ماذا لو تغيّر النّظام العالميّ برمّته يومًا وتبدّلت الخرائطُ واندثرت الأديان واختلطت الأعراق ولم يعُد يميّزُ النّاس بعضهم بالأسماء أو الألقاب، واستيقظَت الكائنات يومًا دونَ أن يكون في وعيهم أو لا وعيهم مُصطلح يُشيرُ إلى الهويّة كما نُحاولُ فهمها اليوم؟
على كلّ حال، كاتِبُ هذا المقال لا يَجدُ للهويّة معنى حتّى هذه اللحظة، ولا يَحسُّ بالانتماءِ إلى الأماكن التي عاشَ ويعيشُ فيها. هنالك عوالمٌ متعدّدة حوله، وكواكب ومجّرات، والانتماء إلى قطعة جغرافيّة أو بيئة اجتماعية أو حتى غرفة يسكنها في شقّةٍ ما في مدينة ما، لا تمثّل بالنّسبة إليه شيئًا سِوى مَحطّة قصيرة يقفُ عندها.


****
نُشر هذا النص في العدد الأول من مجلة The Outpost ، خريف 2016، ويُعاد نشره هنا.