أرشيڤ

الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

الحنين مُنتاكًا

ثمّة طيف من الحنين يأخذه على غفلة وهو في الشغل. غالبا ما يكون الطيف قويا ومندفعا، حاملا في ثناياه شيئا من الانكماش. أقوى الأنواع تنتابه أثناء دوام النهار. أمّا أثناء الدوام المسائي، فيحدث الأمر فقط أثناء غروب الشمس وسقوط أشعتها على المبنى الزجاجي أمام الحانة التي يشتغل فيها. مرّات أخرى وهو يصفف النبيذ الأبيض في البرّاد المخصص لذلك.
انّه ضعيف أمام حنين النهار. لمّا يجتاحه، يتشبّث به، وبعدها يحسّ أن عليه الكتابة. أن يتسلل الى الحمّام ويفتح كرّاسته الجيبية ويكتب فيها أي شيء يخطر على باله: فقرة مستمدّة من قوّة الحنين تلك، أو قصة فكّر فيها طويلا خلال الشهور الماضية. الأمر المثير لريبته هو لحظة انتهاء السرد. انتهاء الفكرة والخلاص من تدوينها. لا يشعر عادة بأنه قد شبع. يذكّره الأمر بأكل كيس من الشيبسي على معدة فارغة وهو مكفوخ. لا يوجد في هذه الأفكار عادة ما هو مجدٍ. ليست مقدّمة لنص ما، ولا فكرة قد يُبنى عليها سردٌ. معلش، المهم هو الاستمرار. حتى لو مرّت كل هذه السنون وهو مستمر. 
لكن كلّما أصابته نوبة هلع، يعود الى كراريسه الممتلئة باحثا فيها عمّا قد تكون البداية. ينكمش على نفسه، ويهدّيها بأن كل شيء تغيّر، وأن لا شيء على ما يرام، كطبيعة البشر على أي حال. ربما قد حان الوقت للتوقف عن الكتابة، وأن ينيك الحنين بحرق كراريسه مجددا والتوقف عن عادة شراء الدفاتر الجديدة. لقد حان الوقت للتحكّم في ماله وعدم صرف معاشه في أشياء لا طائل منها على أيّة حال. وقد حان الوقت أيضا لشنقلة الحنين من رجليه وتعليقه. أن يكون مثاليا، وأن يتحدّث ببلاهة عن أحوال الطقس، مدركا أن الكتابة انتهت، أو أنها - على الأقل - لم تعد كما كانت من قبل. 

كل شيء نسبي، والتفكير في المواضيع النسبية ضرب من العدم. الكتابة لحظات يختلسها في حمّام الشغل، يدوّن شيئا، خاطرة لنقل، أول ما يجتاحه الحنين، في لحظة كان يعدّ فيها فنجان قهوة خلف الماكنة، أو أخرى يصفّف فيها زجاجات النبيذ الأبيض في البرّاد، أو الكؤوس المعلقة بالمقلوب فوقه خلف البار.