دُفعة واحدة


مذ توقّف عن الشراب صارت حياته أفضل. روتينية، مملّة، متكرّرة، لكنها أفضل. حياته أيضًا، لما كان يشرب، روتينية، مملّة، متكرّرة، لكنها لم تكن أفضل، وفي الوقت نفسه لم تكن أسوأ. كانت حياة عادية، وصارت بعدها عادية. الأفضل يمكن اختصاره في عدم الصرف، وعلى الأقل الآن، حين يستيقظ صباحًا، لا يشعر بالدوار، ولا يفتّش محفظته ليحسب ما تبقّى لديه من مال. هنا، في هذه الجزئية، يكمن معنى الأفضل.

حدث الأمر في غفلة. الأسبوع الماضي، حين دقّت الساعة الرابعة عصرًا، ساعة الشرب، دخل كعادته الحمّام وأخذ دوشًا سريعًا، ثم ارتدى ملابسه على عجل وجمع ما يلزمه في شنطة. قبل أن يهمّ بالخروج من المنزل جلس على الكنبة وأشعل سيجارة، وفكّر في لتر البيرة الذي ينتظره في حانته المفضّلة المواجهة للبحر، على بُعد عشر دقائق مشيًا من منزله. وما إن لاح على باله طعمها، وهو يدفع بالكأس الأولى كاملة لكي يدخل في جوّ الثمالة مباشرة، لعبت به الصفراء، فهرع إلى الحمّام وأرجع بقايا وجبة الغداء، ثم استفرغ المزيد من سائل أصفر بدا كخيط رفيع يشدّه من معدته. هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك. وكان، في العادة، يمضمض فمه بعدها ويغسل أسنانه، ثم ينطلق إلى حيث كُتب عليه الذهاب. غير أن هذه المرة كان الأمر مختلفًا. لحظة صفاء غمرته فجأة وهو ينظر إلى انعكاس وجهه في المرآة. قال لنفسه، بصوت مسموع، إنه لن يشرب اليوم. إنه لن يشرب بعد اليوم.

وهذا بالفعل ما حدث. في ذلك اليوم، وفي الأيام التي تلت، لم يقم بأي جهد ذهني كي يتوقف عن الشراب. كان عليه فقط أن يبدأ يومه بالشغل، دون تحديد ساعة محدّدة للتوقف. يشتغل فور استيقاظه وطوال النهار، وفي ساعة الغداء يقوم بواجباته المنزلية، وفي ساعة العشاء يستغرق وقتًا طويلًا لإعداد وجبته. يضعها على نار هادئة ويستمر في العمل، وبين الحين والآخر يتفقد الطنجرة على النار. يزيد الماء، أو يغرس شوكة يقيس بها استواء اللحم، أو يقطع الخضروات من أجل إعداد صحن سلطة. يأكل على مهل، دون أن يشاهد شيئًا في التلفاز، ودون الاستماع إلى الموسيقى. أحيانًا يستمع إلى كتاب صوتي أو قصة قصيرة في إحدى البودكاستات الكثيرة على التطبيق المخصص لها في هاتفه. تعمّد قضاء وقت طويل في الأكل على مهل، يحسب كل قضمة يتناولها ويعطيها من المضغ والهضم حقها. أجواء روتينية، مملّة، متكرّرة، لكنها أفضل. باقي المساء يقضيه في استكمال العمل، أو الإعداد لمهام اليوم التالي في حال استنفد كل مهام اليوم ولم يعد لديه أي شيء آخر يقوم به أمام شاشة الكمبيوتر. وقتها يكون الوقت متأخرًا على أي حال. لذا يغسل أسنانه ويدخل الفراش ويقرأ كتابًا بتمهل حتى يأخذه النعاس ثم النوم.

 

مرّ أسبوع بالضبط على هذا التحوّل. أسبوع جعله متيقّنًا أن عهد الكأس قد ولّى. أسبوع صار يرى نفسه فيه شخصًا آخر لم يكنه يومًا. أسبوع رأى فيه نفسه في المستقبل سكّيرًا قديمًا فقد شهوته للشرب وصار يتمتّع اليوم بحياة خالية من الكحول. أسبوع أيقن فيه أن المرة القادمة التي سيجلس فيها مع الندماء القدامى سيكون وحده إنسانًا صاحيًا، يشرب كأس ماء بوقار. لا يحكي عن أيام الكأس الخوالي ولا يغرق في الحنينيات. بل يمارس حياته بطبيعية خارقة في طبيعيتها. وفي غمرة البهجة تلك، وفي تلك الخيالات، قرّر الخروج من البيت والاحتفال.

 

جالس الآن، أمام لتر البيرة في حانته المفضّلة المواجهة للبحر، وقد شرب الكأس الأول دفعة واحدة لكي يدخل في جوّ الثمالة مباشرة، يفكّر في المعاني التي يحملها الروتين والملل والتكرار. يفكّر أن في يوم من الأيام سيختفي كل هذا. سيختفي البار. ستختفي البيرة. ستختفي التكيلا. سيختفي كل الندماء حوله. وحتى ذلك الحين، حان موعد شوط التكيلا واللتر الثاني.

تعليقات

‏قال غير معرف…
لو حد سألني شن نوع الكتابة المفضلة عندي حتكون هاذي تحديداً طريقتك في الكتابة البساطة اللي ما تقولش شي وتقول كل شي في نفس الوقت

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شُرفة هديل

تماثيل ليبيا.. بين الإرث الروماني ومحاولات التحرر الوطني