الحلم في المنفى
تنبعث أضواء صفراء خافتةٌ من مصابيح الإنارة العالية في الشارع خارج السور المحيط بحديقة بيت جدّي ليلاً فتبدّد عتمة المكان. هكذا بدأ حلمي بجدّي من أمّي وهو يتفقّد حديقته ليلاً، غير مبالٍ بحضوري أو بحضور ابن خالتي أمين. يتنقّل في ممرّاتها الترابية ليلتقط نباتاتٍ ميتةً ويضعها في دلوٍ يحمله بيده. أسمع صوته خافتاً متحسّراً على أيامه التي لم تكن النباتات فيها تعطش، ولم تذبل حتى مع تعاقب الفصول. يسألني وأمين عمّا منعنا من رعاية نباتاته بعد رحيله. كنتُ على وشك إخباره أن البيت هُدم منذ أعوامٍ، غير أني آثرتُ الصمت. لكن في حلمي ذاك رأيتُ البيت موجوداً، والحديقة بدت كما تركتُها قبل اثني عشر عاماً، كبيرةً وعامرةً بالأشجار العالية والنباتات البرية.
جلست مع ابن خالتي على الكراسي البلاستيكية البيضاء قرب الباب المؤدّي إلى الصالون. انحنيتُ نحوه وهمستُ في أذنه قائلاً إنني سأستيقظ في أي لحظةٍ الآن. هزّ رأسه وقال إنه يعرف، فسألتُه عن مشاريعه وجدّي بعد رحيلي، فيما إذا كانا سيظلان هنا أم سينتقلان إلى مكانٍ آخر. قال أمين إن هذا منامي وعليه سيختفيان عندما أستيقظ.
هذا المنام واحدٌ من مناماتٍ عديدةٍ حضر فيها جدّي بعد وفاته، وهو الوحيد الذي قابلتُ فيه أمين. حلمتُ بهذا المنام تحديداً في يوليو 2017، أي بعد وفاة جدّي بعامٍ، وبعد وفاة أمين بعامين. دوّنتُه فور استيقاظي، لأنني رأيت في حضوره في ذكرى وفاة جدّي أمراً يستحق أن يُدوَّن لأتذكّره أبداً. ومنذئذٍ بتُّ أعود إلى هذا الحلم بانتظامٍ في نومي، غير أنّه في كلّ مرةٍ تظهر تفاصيل مختلفةٌ، مثل غياب أمين وحضور أناسٍ آخرين أعرف بعضهم ولا أعرف الباقي.
صارت الأحلام جزءاً من أيامي طيلة أعوامٍ، أعيشها وأدوّنها كلّ ليلةٍ، وقد خصصت دفتراً على منضدة السرير لها. بدايةً تجلّت لي علاقة الأحلام والكوابيس بانتقال الصدمة عبر الأجيال، التي تشكّلت داخل ذاكرةٍ عائليةٍ ليبيةٍ مرتبطةٍ بالاستعمار الإيطالي والحروب الأهلية والاقتلاع المتكرّر من المكان. ومنذ 2011، حين دخلت ليبيا طوراً مفتوحاً من العنف وتبدّل إيقاع الحياة الجماعي، صار النوم عندي مساحةً تتغيّر وتتحوّل. ومع الوقت ظهرت أشكالٌ متعدّدةٌ من الوعي والهروب خضتُها في مناماتي، منها تعاطي المهلوسات، قبل أن تستقرّ هذه المنامات في منطقةٍ وسطى بين النوم واليقظة، فيما يُعرف بِاسم "أحلام اليقظة". ومن هذه التجارب المتراكمة يظهر لي أنّ الحلم يتعدى كونه أثراً نفسياً عارضاً، إلى حيّزٍ معرفيٍ وعاطفيٍ أعيدُ فيه صياغة التاريخ في حين عجزت اللغة والوعي اليقظ عن احتوائه. إذ بالمنامات والهلوسات وأحلام اليقظة وما جاورها من تجارب، تحوّل نومي إلى أرشيفٍ حيٍّ للصدمة المتوارثة، وإلى وسيلةٍ لفهم استمرار التجربة السياسية والاجتماعية داخل الجسد والوعي.
جلست مع ابن خالتي على الكراسي البلاستيكية البيضاء قرب الباب المؤدّي إلى الصالون. انحنيتُ نحوه وهمستُ في أذنه قائلاً إنني سأستيقظ في أي لحظةٍ الآن. هزّ رأسه وقال إنه يعرف، فسألتُه عن مشاريعه وجدّي بعد رحيلي، فيما إذا كانا سيظلان هنا أم سينتقلان إلى مكانٍ آخر. قال أمين إن هذا منامي وعليه سيختفيان عندما أستيقظ.
هذا المنام واحدٌ من مناماتٍ عديدةٍ حضر فيها جدّي بعد وفاته، وهو الوحيد الذي قابلتُ فيه أمين. حلمتُ بهذا المنام تحديداً في يوليو 2017، أي بعد وفاة جدّي بعامٍ، وبعد وفاة أمين بعامين. دوّنتُه فور استيقاظي، لأنني رأيت في حضوره في ذكرى وفاة جدّي أمراً يستحق أن يُدوَّن لأتذكّره أبداً. ومنذئذٍ بتُّ أعود إلى هذا الحلم بانتظامٍ في نومي، غير أنّه في كلّ مرةٍ تظهر تفاصيل مختلفةٌ، مثل غياب أمين وحضور أناسٍ آخرين أعرف بعضهم ولا أعرف الباقي.
صارت الأحلام جزءاً من أيامي طيلة أعوامٍ، أعيشها وأدوّنها كلّ ليلةٍ، وقد خصصت دفتراً على منضدة السرير لها. بدايةً تجلّت لي علاقة الأحلام والكوابيس بانتقال الصدمة عبر الأجيال، التي تشكّلت داخل ذاكرةٍ عائليةٍ ليبيةٍ مرتبطةٍ بالاستعمار الإيطالي والحروب الأهلية والاقتلاع المتكرّر من المكان. ومنذ 2011، حين دخلت ليبيا طوراً مفتوحاً من العنف وتبدّل إيقاع الحياة الجماعي، صار النوم عندي مساحةً تتغيّر وتتحوّل. ومع الوقت ظهرت أشكالٌ متعدّدةٌ من الوعي والهروب خضتُها في مناماتي، منها تعاطي المهلوسات، قبل أن تستقرّ هذه المنامات في منطقةٍ وسطى بين النوم واليقظة، فيما يُعرف بِاسم "أحلام اليقظة". ومن هذه التجارب المتراكمة يظهر لي أنّ الحلم يتعدى كونه أثراً نفسياً عارضاً، إلى حيّزٍ معرفيٍ وعاطفيٍ أعيدُ فيه صياغة التاريخ في حين عجزت اللغة والوعي اليقظ عن احتوائه. إذ بالمنامات والهلوسات وأحلام اليقظة وما جاورها من تجارب، تحوّل نومي إلى أرشيفٍ حيٍّ للصدمة المتوارثة، وإلى وسيلةٍ لفهم استمرار التجربة السياسية والاجتماعية داخل الجسد والوعي.
لقراءة المقال على موقع مجلة الفراتــــــس
تعليقات