وهو ينظّف المنزل في صباحه الأول، يمسح الدولاب أسفل حوض الغسيل بفوطة مبلّلة، استرعى انتباهه صوت حمامة. في البداية ظنّها هناك، داخل الدولاب نفسه. لكن حين توقّف عن المسح وأصغى جيّدًا، تتبّع الصوت، فوقف ونظر من خلال شباك المطبخ نحو الشرفة ورفع رأسه. وجدها هناك، مستقرة فوق السخّان المثبّت في حائط الشرفة الصغيرة، تنظر إليه وتصيح، أو تنادي، أو شيء من هذا القبيل، كما خطر له. من مكانه استطاع أن يلمح عشًا أعلى السخّان، وأن يدرك أنها استوطنت هذه الشقة قبله، وربما بمدة طويلة، بينما لم يمضِ على وصوله سوى يوم واحد، منذ أن وقّع عقد الكراء البارحة مع صاحب البيت. "هالو يو تشيكي ون"، قال لها، كما اعتاد أن ينادي حيواناته الأليفة. مالت الحمامة برأسها وبقيت تحدّق فيه، كأنها تستفهم وجوده. ومنذ ذلك اليوم صارت حيوانه الأليف في مستقرّه الجديد. يستيقظ كل صباح، يضع على حاشية النافذة، ريثما ينتظر القهوة أن تغلي، بضع فتات خبز. يراقبها ترقد فوق بيضها في العش، ويحدّثها عن نفسه، عن مساراته ومسرّاته وخيباته. يصبّح عليها، يسألها عن حالها، وحين يضحك - وكان يضحك عادة بصوت مدوٍّ - تطير بعيدًا، فتحطّ على سور الع...
"علاقة الليبيين بالتماثيل كانت دوماً علاقةً مضطربة. حملت هذه الرموز شواهد على الغزاة والهويات المفروضة، وأحياناً على الفراغ الذي يتركه التاريخ لَمّا يُمَّحَى. حتى اليوم في 2025، حين أُثير الحديث عن إعادة نصب تمثال سيبتيموس سيفيروس في مكانه الأول نفسه بميدان الشهداء في طرابلس، بدا وكأن التمثال ليس قطعةً من الماضي بقدر ما هو رمزٌ حيٌّ لصراع مدنٍ في زمن الحرب الأهلية على الحقّ في امتلاك السردية التاريخية. وُضع الجدل في خانة التنافس على ملكية الرموز، ويُذكّر دون قصدٍ بالرحلة التي خاضها التمثال في القرن الماضي، من كونه رمزاً فاشياً للشرعية الرومانية، إلى لحظة إزالته حين رأت فيه السلطة خطراً على خطابها السياسي. والآن، وبعد نصف قرنٍ، يعود التمثال للواجهة ربما ليكرّس سلطةً جديدةً، وربما ليفتح باباً آخَر من الجدل، وربما ليختفي هو الآخَر أيضاً مثل كلّ ما تبقّى من التماثيل الحضرية بعد 2011 إلى الأبد.." أتناول في هذا المقال المنشور بمجلة الفراتس، سيرة التماثيل والنُصب في ليبيا كونها مرآةً لصراعٍ أوسع على الذاكرة والشرعية. أنطلق فيه من الجدل الذي عاد في فبراير 2025 حول نقل تمثال الإمبر...
توقّفتُ عن تعاطي الكوكايين قبل تسعة وعشرين يوماً، لكن حسابي المصرفي ما يزال صفراً. امتنع المصرف عن إعطائي أي قروض أكثر من المتراكمة، ومعارفي وأصحابي رأوا أنّه لا فائدة من الاستمرار في فعل ذلك. ظاهرياً قد أبدو لك أنني لا أهتمّ بالأمر، واثقاً بأنّ حياة الإفلاس تناسبني، وأعتبر أجمل أيامي هي تلك التي لم أمتلك فيها مليماً. إنّني مدين للإفلاس، ولولاه متُّ زمان. رغم ذلك، لم أجد مفرّاً من لحظات كهذه يحضر فيها الإفلاس كمعضلة وواقع أليم. موعد دفع الإيجار غداً، وأنا أصلاً متأخر شهرين. رسائل الفواتير ملأت مدخل البيت، وكل يوم يتّصل بي رقم غريب فلا أردّ عليه، أو يتّصل سمسار البيت، وحتى هو لا أردّ عليه. خلال هذه الأيام التسعة والعشرين بقيت معظم الوقت جالساً أو مستلقياً على الكنبة، غير قادر على المبادرة بأي أمر يُخرجني من واقعي أو يُعيدني إليه. كنت واعياً لمسألة الاعتكاف كضرورة للخروج من حلقات الشم. التوقف عن التعاطي يحتاج إلى وقت وصبر وكساد وقلة مال وطلعات. كنتُ مزاجياً معظم الوقت في الأسبوع الأول وحائساً في نفسي، أتنقّل دون سبب بين الغرف ونادراً ما أدخل المطبخ أو الحمام. قضيتُ وقتاً لا بأس به ...
تعليقات