مذ توقّف عن الشراب صارت حياته أفضل. روتينية، مملّة، متكرّرة، لكنها أفضل. حياته أيضًا، لما كان يشرب، روتينية، مملّة، متكرّرة، لكنها لم تكن أفضل، وفي الوقت نفسه لم تكن أسوأ. كانت حياة عادية، وصارت بعدها عادية. الأفضل يمكن اختصاره في عدم الصرف، وعلى الأقل الآن، حين يستيقظ صباحًا، لا يشعر بالدوار، ولا يفتّش محفظته ليحسب ما تبقّى لديه من مال. هنا، في هذه الجزئية، يكمن معنى الأفضل. حدث الأمر في غفلة. الأسبوع الماضي، حين دقّت الساعة الرابعة عصرًا، ساعة الشرب، دخل كعادته الحمّام وأخذ دوشًا سريعًا، ثم ارتدى ملابسه على عجل وجمع ما يلزمه في شنطة. قبل أن يهمّ بالخروج من المنزل جلس على الكنبة وأشعل سيجارة، وفكّر في لتر البيرة الذي ينتظره في حانته المفضّلة المواجهة للبحر، على بُعد عشر دقائق مشيًا من منزله. وما إن لاح على باله طعمها، وهو يدفع بالكأس الأولى كاملة لكي يدخل في جوّ الثمالة مباشرة، لعبت به الصفراء، فهرع إلى الحمّام وأرجع بقايا وجبة الغداء، ثم استفرغ المزيد من سائل أصفر بدا كخيط رفيع يشدّه من معدته. هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك. وكان، في العادة، يمضمض فمه بعدها ويغسل أسنان...
وهو ينظّف المنزل في صباحه الأول، يمسح الدولاب أسفل حوض الغسيل بفوطة مبلّلة، استرعى انتباهه صوت حمامة. في البداية ظنّها هناك، داخل الدولاب نفسه. لكن حين توقّف عن المسح وأصغى جيّدًا، تتبّع الصوت، فوقف ونظر من خلال شباك المطبخ نحو الشرفة ورفع رأسه. وجدها هناك، مستقرة فوق السخّان المثبّت في حائط الشرفة الصغيرة، تنظر إليه وتصيح، أو تنادي، أو شيء من هذا القبيل، كما خطر له. من مكانه استطاع أن يلمح عشًا أعلى السخّان، وأن يدرك أنها استوطنت هذه الشقة قبله، وربما بمدة طويلة، بينما لم يمضِ على وصوله سوى يوم واحد، منذ أن وقّع عقد الكراء البارحة مع صاحب البيت. "هالو يو تشيكي ون"، قال لها، كما اعتاد أن ينادي حيواناته الأليفة. مالت الحمامة برأسها وبقيت تحدّق فيه، كأنها تستفهم وجوده. ومنذ ذلك اليوم صارت حيوانه الأليف في مستقرّه الجديد. يستيقظ كل صباح، يضع على حاشية النافذة، ريثما ينتظر القهوة أن تغلي، بضع فتات خبز. يراقبها ترقد فوق بيضها في العش، ويحدّثها عن نفسه، عن مساراته ومسرّاته وخيباته. يصبّح عليها، يسألها عن حالها، وحين يضحك - وكان يضحك عادة بصوت مدوٍّ - تطير بعيدًا، فتحطّ على سور الع...
لما عادت إلى شقته البارحة رأى في عينيها حزنًا، وكان صوتها مبحوحًا. سهل عليه أن يرى ذلك ويسمعه، وإن لم يسألها مباشرة إن كانت بخير. سألها فقط إن كانت عيناها قد التئمتا، لأنها قبل خروجها من شقته في الضحى قالت إنها لا تستطيع أن ترى جيدًا، ولهذا، حين عادت مساءً، كانت ترتدي النظارات بدل العدسات، فتساءل بينه وبين نفسه إن كانت قد بكت في منزلها، وإن كان ذلك سبب تبديلها للعدسات بالنظارات، لكنه لم يسألها، بل اكتفى بأن يفكر في الأمر ويستمع إليها تحكي عن حنينها إلى الحديث مع جدها وجدتها، عنهما وعن الكلام معهما، وعن كبار السن ومعنى العيش في اللحظة لأن ما يبقى لكبار السن في الحياة هو اللحظة فقط. ثم غادر شقته للقاء صديقه في البار، وهناك قضى ثلاث ساعات لم ينظر خلالها إلى شاشة هاتفه سوى مرة واحدة قرأ فيها رسالة منها تسأله أين يمكن أن تعثر على المكنسة. كتب لها، بسذاجة كما سيفكر في اليوم التالي، "هاو كيوت". تخيل أن صحن عشاءها سقط على الأرض وتهشم، وأنها، من خلال نبرة رسالتها الجافة، في لحظة هلع. وفي الطريق عائدًا إلى البيت، بعد ساعة تقريبًا وربما أكثر، قرأ في ردها أن الأمر لا علاقة له "بال...
تعليقات