معلقة القارة العجوز
أول مرة ركبتُ فيها الطائرة كانت من مطار طرابلس الدولي إلى مطار أمستردام، ومنه بطائرة أخرى إلى أبردين. كان عمري أحد عشر عامًا، وفي حمّام مطار أمستردام صُدمتُ حين رأيت رجالًا يتبولون في مراحيض مفتوحة خارج دورات المياه المغلقة. خرجتُ من الحمّام أرتجف، وحكيتُ لأبي عمّا رأيت. لكنه نهرني لأننا كنا قد تأخرنا عن موعد الطائرة الثانية.
بعد عشر سنوات عُدت لأمستردام، وحدي هذه المرة. كنتُ قد شربتُ الكثير من البيرة في الطائرة وكانت تستعد للهبوط لمّا بدأ تدفق البول في مثانتي، والضوء الأحمر فوق باب المرحاض مشتعل، وطاقم الطائرة كلما وقفتُ باغتوني بـ "سير، يو هاف تو ست داون رايت ناو". ما إن خرجت من صف الجوازات وختمتُ وثيقة سفري، حتى أسرعتُ إلى أقرب حمّام. تطلّب الأمر مقدار شخّة ووقفة أمام المرآة حتى عادت إليّ ذكرى حمّام أمستردام، وإدراكي أنه، في الواقع، الحمّام نفسه الذي أقف فيه الآن. غريبٌ هذا الشعور؛ أعني شعور العودة إلى مكان يقبع راسخًا في ذاكرتك، لكنه يبدو دائمًا كأنه حلم، ذكرى مضببة. والأغرب أن تكون لك هذه الذكرى في بلاد غريبة، حتى لو لم تتسع إلا لحمّام فيه مرحاضان وثلاث عبوات للتبوّل.
الصورة الأولى التي أتذكرها لأوروبا كانت من نافذة في الطابق الرابع من فندق لم أسأل يومًا عن اسمه، في وسط أبردين، على شارع ضيق ينحدر من "يونيون ستريت" إلى الميناء، حيث كانت البواخر التجارية تصطف بأعلام كثيرة ترفرف فوقها. من تلك النافذة، في ممر الفندق، وفي أول صباح لي في أوروبا، رأيت أسطح البيوت القوطيّة المثلثة، مبتلة ولامعة تحت الشمس، ومداخنها التي لم تعد تنفث الدخان، وطيور النورس وهي تحلّق فوقها. بدا كل شيء كأنه خارج من رسوم متحركة، حتى جدران الممر والغرفة الضيقة في الفندق كانتا توحيان بأنهما مستوحاتان من غرفة مستر بين.
تلك الصورة ظلّت معلقة في رأسي طوال الأعوام الثلاثة التالية، ومعها ذكريات أخرى من أبردين: بين المدرستين الابتدائية والإعدادية، وفي المكتبة العامة، وفي قلب المدينة النابض، ومولها الوحيد، وحدائقها الخضراء الواسعة، وحتى في استعادة وقع أول بوسة حدثت تحت حراسة مشددة وأمام شهود عيان. لا أدري الآن كيف جرى ذلك، ولا ماذا كان يعني، ولا لماذا حدث أصلًا؛ فقد كان كل ما أجيده من الإنكليزية لا يتجاوز بضع كلمات وجملًا التقطتُها بالحدس ولم أتعلمها فعلًا. أخذتني ستيفاني من يدي، في فترة الاستراحة، إلى حمّام البنات، وخلفنا فيلق من البنات والأولاد. وقف أحدهم عند الباب ليحرسنا، وكان اسمه كولن. أتذكره جيدًا، بل ربما أكثر مما أتذكر ستيفاني نفسها. وأتذكر أنه كان يأتي كل يوم جمعة بجهاز لتشغيل الموسيقى، وكانت تلك أول مرة أسمع فيها عن شيء اسمه "دي جي"، ولذلك يبدو كولن أول دي جي التقيتُه في حياتي.
المهم، كما كنت أقول، دخلنا حمّام البنات، ووقفت ستيفاني أمامي. كانت في الصف الخامس، وأنا في الصف السادس. أغمضتْ عينيها، فأغمضتُ عينيّ أنا أيضًا. بعد عشر سنوات، بينما كنت أمسح الغبار عن رف في دكان كتب في لندن، جاءني زميلي ليعيد رواية حرمة بترجمتها الإنكليزية. ولما سألته عن رأيه فيها، قال إنها رواية لا بأس بها، لكنه لم يستطع، طوال النص، أن يتجاوز إحساسه بأنه يقرأ مذكرات مراهقة كتبها رجل في الخمسين. لا أدري لماذا تذكرتُ ذلك الآن وأنا أحكي عن بوسة ستيفاني.
أظلمت الدنيا حين عدنا إلى ليبيا، وهناك بدأ أول فصول الحنين، وأول ولع بالعودة إلى أبردين. ظل هذا الشعور يطوّقني طوال ثلاث سنوات، حتى إنني بدأتُ فعلًا أدّخر مصروفي وأعدّ خطة ما للخروج من ليبيا والهجرة إلى أوروبا. وأشدد هنا على كلمة أوروبا، لا أبردين، لا لسبب بعينه، إلا لأنني، على ما يبدو، هكذا كنت أسمّي أبردين.
وكنت، بالطبع، أخبر الأصحاب عن مغامراتي الجنسية مع الشقراوات في أوروبا. لم يكن أمامي خيار آخر؛ فلو لم أخبرهم أنني نكت هناك، لكنتُ أنا الذي سأتناك؛ هكذا كان واقع الحال، وهكذا كانت أحوال الناس. لكنني كنت أُواجَه عادةً بسؤال معقّد أقلقني منذ البداية: في أي حفرة وضعت زبك حين نكت؟ كانت الأسطورة السائدة تقول إن في صرم المرأة ثلاث حفر: واحدة للشخ، وواحدة للنيك، وواحدة للولادة. غير أن أحدًا لم يخبرنا قط بترتيبها. وحين سُئلت، أجبت بثقة: في الوسط. فقيل لي: كذاب. فقلت: وما أدراك؟ ثم خيّم الصمت. وهكذا اقتنع الجميع بأنني نكت فعلًا، تسع مرات.
ذات يوم دخلتُ محلًا للاتصالات قبالة مدرسة حفصة، في شارع بيروت المتفرّع من هايتي، والملاصق لكوشة الصنوبر. كانت معي ورقة كُتبت عليها تسعة أرقام دولية، كلها تعود إلى العنوان نفسه، ولا يختلف واحد منها عن الآخر إلا في الرقم الأخير. كنت قد نسختُ الرقم من ورقة أعطتني إياها ستيفاني في آخر يوم دراسي. لم تكن رسالةً بالمعنى المعتاد، بل صفحة A4 مسطّرة، يتوسطها، مع ميل خفيف إلى اليسار، قلبٌ أحمر، وعلى جانبيه الحرفان الأولان من اسمينا، وتحت الرسم رقم الهاتف. لكن الورقة ابتلّت، لسبب ما، فاختفى الرقم الأخير وصار مجرد لطخة. لذلك أعددتُ قائمةً بتسعة أرقام متشابهة، يتبدل فيها الرقم الأخير فقط، من 1 إلى 9. قال لي العامل في محل الاتصالات إن هذه المكالمات ستكلفني كثيرًا. قلت: عادي. واستغرق الأمر تسع مكالمات موزعة على شهور طويلة، لكن ستيفاني لم تردّ في أيٍّ منها.
طنّشتُ على الأمر لبعض الوقت، لكنني كنت، في تلك الظهيرات الطويلة والحزينة، أعود إلى الرسالة محمّلًا بالوجع والحنين. أطيل النظر فيها، محاولًا فكّ لغز الرقم الأخير، ومتأملًا احتمال ألّا يكون هناك رقم أخير أصلًا، وأن تكون ستيفاني قد خدعتني، وأن أكون أنا، ببساطة، عائشًا داخل كذبة لا تختلف كثيرًا عن أحداث فيلم كنت أشاهده كلما عُرض على إحدى قنوات التلفزيون آنذاك. لكنني كنت أعود في النهاية فأردع نفسي، بعد مراجعة الرسالة وطمأنة قلبي، بالقول إن من يضع كل هذا الجهد في إعداد رسالة كهذه لا يمكن أن يكذب.
أطلعتُ ابنة خالتي على الرسالة ذات يوم جمعة عادي في بيت جدي، بعدما فكّرتُ، بسذاجة طفل، أنها بنت مثل ستيفاني، وبالتالي ستعرف كيف تحل لغز الرقم الملطّخ. وقد أصاب حدسي فعلًا. فابنة خالتي التي تكبرني بعامين، وكانت تلعق الجيلاطّي وفي عينيها نظرة لا مبالية، تفحّصت الورقة، ثم شمّتها، ثم رفعتها نحو الشمس وراحت تتأملها بعين واحدة. بعد ذلك قرّبتها من وجهها تدريجيًا، ثم لطّخت الرقم، الملطّخ أصلًا، بالجيلاطّي، ولعقته، قبل أن تعيدها إليّ أخيرًا وتقول: صفر.
نظرتُ إلى الورقة مصعوقًا، وقرأتُ اللطخة مرة أخرى، فخيّل إليّ أنها فعلًا صفر. عندها تذكّرتُ قوله تعالى وجعلنا أمامهم سدًّا وخلفهم سدًّا، أو شيئًا من هذا القبيل، فقلت في نفسي سبحان الله، وفهمتُ الحكمة من الآية الكريمة. وكانت ابنة خالتي هي من اقترحت أن نتصل بستيفاني فورًا من هاتف بيت جدي، اذ فيه الصفران الدوليان. وافقتُ، واتصلت. ولدهشتي التي ملأت الصالون كله، ردّت ستيفاني. عرفتها من صوتها منذ أن قالت: هالو.
قلت: الو.. ستيفاني؟
قالت: يس.
قلت: اتز موهامد.
قالت شيئًا لم أفهمه. ربما سألت: محمد من؟ وربما قالت إنها لا تعرفني. وربما كانت قد عرفتني فعلًا، وسألتني عن حالي، من غير أن تدري أنني، على الطرف الآخر من الهاتف، كنت قد رسبت في مادة اللغة الإنكليزية مرتين، وأنني في تلك اللحظة نسيت حتى كيف تُرتَّب كلمات جملة: هاو آر يو. كنت أنظر إلى ابنة خالتي، وكانت ابنة خالتي تنظر إليّ، وهي ما تزال تلعق الجيلاطي.
- آلو.. ستيفاني؟
- يس
- اتز موهامد.
ثم أعادت قول الشيء نفسه الذي قالته قبلها، وربما زادت عليه قليلًا. ما أتذكره هو نبرة صوتها، والتشويش الذي كان يملأ الخلفية كلما تحدثت، ثم ذلك الهدوء المؤقت الذي كان يهبط كلما سكتت، في انتظار أن تسمع شيئًا من طرفي. أما أنا، فكنت، كما قلت، على الجهة الأخرى، أنظر إلى ابنة خالتي، وكانت ابنة خالتي تنظر إليّ وهي ما تزال تلعق الجيلاطي.
- الو.. ستيفاني؟
- يس.
- اتز موهاميد.
بعد ثلاث سنوات، سأخرج من البيت في أول صباح لي في مانشستر. كانت تلك، أخيرًا، عودةً إلى أوروبا. وهذه المرة أيضًا قيل لي إن الأمر مؤقت، ثلاثة أشهر على الأغلب. لكنني لم أكن أعلم أن هذه الأشهر الثلاثة ستمتد، حتى تاريخ اليوم. في ذلك الصباح الأول، وقفتُ أمام الباب أنظر إلى الشارع، فإذا بفتاتين تتقدمان نحوي وتنظران إليّ. إحداهما شقراء تشبه ستيفاني حتى كدتُ أقول لها اتز موهامد، إلاّ أنني اكتفيتُ بالابتسام، فصاحت بي إحداهما: What the fuck are you lookin’ at؟
ولذلك لم يكن غريبًا أن تكون السنوات الأولى التي عشتها في إنكلترا كافية لمسح صورة أوروبا المشتهاة من رأسي. صرت أرى تلك الذكرى سذاجة طفل لم يعرف الصورة الحقيقية لبلد أوروبي، فاختزلها في كلاسيكيات الروايات الأوروبية في مكتبة أبيه، وفي مشاهداته لقناة ديزني. وربما كنت أشعر أيضًا أنني عشت ما يكفي في أوروبا بحيث لم أعد قادرًا على رؤية تلك الصورة التي تخيلتها لها قبل مجيئي. ولم أكتشف أن ثمة أوروبا أخرى غير إنكلترا إلا حين سافرت إلى أمستردام، ومنها إلى القاهرة، على افتراض أن الرحلة ستنتهي عندما أصل إلى الصفوف الأمامية من خطوط القتال، في اندفاعة من نوع آخر من الحنين. اذ أنها 2011. وفي تلك العشية والليلة اللتين قضيتهما في أمستردام، وأنا أتجول في شوارع دي فالين المضاءة بالأحمر، أدركت فجأة أن أوروبا تلك صارت أمامي: في الشوارع، في الدراجات، في البارات المتوهجة بالأحمر، وفي مقهى لبيع الحشيش جعلني، وأنا جالس فيه، أشعر كأنني في كافتيريا الحشاشين في باريس منتصف القرن التاسع عشر. يومها عادت أوروبا لتصيبني، لكنني لم أعد ذلك الفتى ابن الحادية عشرة. كنت في العشرين، وفي طريقي إلى القتال والاستشهاد، وكانت أوروبا، ومخيلتي عنها، تبدوان لي ضربًا من الخيال. في تلك الليلة، وأنا أتنقل بين الزناقي الضيقة في الحي الأحمر، خُيّل إليّ أنني في البرزخ. أعيش أوروبا التي سكنت مخيلتي طويلًا، يوتوبيا تتمايل، ثم أسمع صوتًا يناديني من الخلف بالعربية، فألتفت. كانت فتاة في زي شفاف وخفيف، تقف خلف باب زجاجي صاخب بإضاءة النيون. قالت: تعال. ولم أسألها كيف تعلمت العربية إلا وأنا أغادر، فقالت إن زوجها عربي. ثم تمنت لي مساءً طيبًا، وأعادت فتح الستار.
لا أدري، فعلًا، ما الدافع إلى كتابة كل هذه الذكريات، ولا ما الصلة التي تربط إحداها بالأخرى. لكنني أفكر في المطارات، وفي أوروبا كفكرة تتهاوى، وفي أبردين، وستيفاني، وحمّام مطار أمستردام، وابنة خالتي وهي تلعق الجيلاطي، وحتى في الفتاة التي قالت لي: "وات دا فاك يو لوكن آت" حين حطَطتُ أول يوم في مانشستر. واسمها، بالمناسبة، أماندا، والحق يقال إنها كانت بنت توب مالآخير يالاخر، كما وصف عمران صديقه شامية في فيديو معركة شارع طرابلس الشهير.
أفكر في كل هذا الآن وأنا جالس في مطار أمستردام، أنتظر طائرةً تأخرت ساعةً ونصفًا، وبطرف عيني أستطيع أن ألمح الدرج في زاوية قاعة الانتظار، ذلك الذي يؤدي إلى حمّام أول شخّة برّا البلاد. أنظر إلى تلك البقعة التي وقف فيها والدي أسفل الدرج في انتظاري قبل عشرين عامًا، وألمح نفسي أخرج من الحمّام، نازلًا الدرج، وأنا أفكر في رحلتي القادمة إلى ليبيا، قبل عشرة أعوام.
المسودة الأولى من هذا الشيء كتبتُها في يناير 2020، في مطار أمستردام، وأنا تحت تأثير هذيان حمّى أصابتني منذ أن كنت قادمًا إليها، ترافقها كحّة بغيضة أسفرت عن التهاب في صدري. وقطعت شريكتي استرسالي في كتابة الفقرة السابقة، حين قرأت بصوت عالٍ خبرًا عن وباء انتشر في الصين. وكان دافعها إلى قراءة الخبر، الذي اطّلعت عليه للتو في هاتفها، أن أعراضه تشبه الأعراض التي كانت عندي، أنا الذي في أمستردام. ضحكنا من طرافة الأمر وتشابه الأعراض، وشاركنا المزاحَ راكبٌ آخر كان يجلس بالقرب منا، وكان مريضًا هو أيضًا ويعاني الأعراض نفسها. عندها ضاع مني حبل الأفكار الذي بدأ مع تأملي الدرج المؤدي إلى الحمّام، وأبي الذي وقف يومًا ينتظرني عند الباب.
ما حدث بعدها يمكن اختزاله بما كتبه بولانيو في خاتمة ليل تشيلي: "وهبّت عاصفة الخراء".
هوم؟ وير آر يو فروم؟ أو، حين نعجز عن الاجابة





تعليقات