كيف ينيك الصادق النيهوم؟
قصة قصيرة

في
مديح زبي (1)
حين التقيتُ محمد السكاربيلو في الأسبوع الماضي بإحدى حفلات السايكيداليك السرية شمال لندن، كان ذلك بالنسبة لي مفاجأةً تستحق الاحتفال. فقد اختفى السكاربيلو منذ سبتمبر الماضي بعد رحلته إلى كينيا، وسمعتُ من بعض الأصدقاء المشتركين بأنه تعرَّف على فتاة سنيغالية وقرر البقاء معها في إحدى القرى الصغيرة. أصدقاء آخرون قالوا بأنه عاد إلى ليبيا بعد أن استطاع تهريب كميات كبيرة من بودرة الإم دي إم إيه وبدأ في الترويج لها في البلاد. إلا أن السكاربيلو لم يخبرني ليلتها أين اختفى. ولكنه طوال السهرة، ظل متشائماً من الوضع في ليبيا. وحاولتُ بالطبع – تحت تأثير مخدرات السعادة – أن أخبره بأن لا شيء يستحق أن نتشائم منه في هذه الحياة، وأن الحياة أجمل مما نتصور... «إيه إيه... كابيش كابيش»، ظل يردد، ولكنه أضاف في إحدى المرات أن التشاؤم لا ينبع من المشاكل التي دخلت فيها البلاد، ولا بسبب الميليشيات وتقاعس الحكومة وغيرها من الأمور التي باتت ترهق الليبيين في هذه الأيام، فبالنسبة للسكاربيلو، الوضع في ليبيا الآن من الناحية السياسية «مليح لززب»... وأن حلمه في بلاد أناركية بات يتحقق. ولكن تشاؤمه في الواقع نابع من هؤلاء الشباب الجدد، مشاهير الفيسبوك الذين يطالبون بدولة ونظام ودستور للبلاد، مردداً أن هؤلاء بالفعل لا يقدرون نعمة الوضع السياسي للبلاد اليوم، ثم بعد ذلك، قال لي: «تتذكر لما حكينا قبل على الصادق النيهوم كأهم الأسباب في تدمير الأدب والفكر الليبي المتمرد؟» أجبته: «إيه».. قال وهو يأخذني إلى جهة بعيدة عن صخب الموسيقى: «اللي صاير اليوم سببه الصادق النيهوم». ثم جلسنا على كنبة سوداء كبيرة، وأفرد السكاربيلو على الطاولة أمامه قطعة رخامية أخرجها من جيب معطفه الثقيل، وسكب عليها البودرة البيضاء وبدأ في إعداد خطين رفيعين، متجلياً في الحكي عن الأورجازم النخبوي الذي بات يظهر في ليبيا اليوم، من قبل شباب «تحسهم يستمنون كل ليلة على صور الصادق». مدَّ لي ورقة من فئة العشرة جنيهات بعد أن لفَّهما. شممتُ خطاً، ثم مددتُ له الورقة النقدية. شمَّ السكاربيلو الخط الثاني، ثم هز رأسه بيأس.
***
يمكن القول إن محمد السكاربيلو لم يحب كتابات الصادق النيهوم يوماً، ومذ تعرفتُ عليه في بدايات العام 2009، حين جئتُ إلى لندن، كان يعتبر ما بات يُسمى بـ «الظاهرة النيهومية» انتكاسة عظمى في الكتابة السردية والفكرية في ليبيا. وحين يقول ذلك لمحدثيه – وعادة ما يكونوا من الكتاب الشباب في ليبيا – يعتقد هؤلاء بأنهم على شفا بدء حوار معه حول ما إذا كان النيهوم يتبع السلطة أم المعارضة، بالإضافة إلى كم الملايين التي استلمها من خزانة الدولة، وما موقفه من المجازر التي ارتكبها النظام السابق. كل هذه المواضيع في واقع الأمر لا تهم السكاربيلو؛ بل على العكس، حين يُفتح موضوع كهذا يتحول السكاربيلو إلى «برو-نيهوم» ويقول إن «الراجل لعبها صح وما ناكش فيها جو بطولة وزبي». إلا أن للسكاربيلو موقفاً حاداً تجاه الصادق بسبب أمر واحد فقط: أمر يؤكد السكاربيلو أنه السبب في كل المآسي التي يمر بها الكتاب الليبيون اليوم، والسبب الذي يجعل وجود المثقف الليبي في ليبيا زي قلته.
***
أخبرني السكاربيلو ليلتها عندما التقيتُه بحفلة السايكيداليك، إنه في منتصف العام 2010، كان جالساً مع اثنين من رفاقه الكتاب الشباب، أحدهما اشتهر في الوسط الثقافي باسم «الشخصية» والآخر بـ «الغلام»، وهما بطبيعة الحال، وحسب الظروف في ليبيا، يُعتبران متمردين تشبعا بكل ما كتبه النيهوم. يقول السكاربيلو: «عادة ما كانت تدور بين «الشخصية» و«الغلام» أحاديث حزينة حول مائدة البوخة عن الصادق النيهوم وغربته ونظرته الثاقبة إلى المجتمع الليبي. بالطبع، تضفي «سعاد ماسي» لتلك الجلسات شيئاً من الكآبة التي كان ينعم بها النيهوم، ويسعى إليها رجال النخبة في ليبيا كي يكتبوا إبداعاتهم على بروفايلات حساباتهم بالفيسبوك، ويحصون الليل كله عدد اللايكات، ويحرصون على لايك التعليقات فوراً».
في تلك الليلة، وصل السكاربيلو حده، وشعر بأن عليه الإفصاح عن عدم حبه للصادق الآن.
قال: «يا أولاد، قصدي انتفخوا راهو من الأخير.. خلاص، الراجل مات.. أجبدوا عالموضوع».
«لكن كتاباته حية»، قال الغلام، «وواقع نعيشه اليوم قدامنا يا برادر».
«أما واقع يا مان؟ قصدي الواقع قدامنا وعايشين في زك أمه، علاش نقرأ عليه ما دام أني عايش في زك أمه، الززب؟».
«ضروري تقرا عليه باش تفهم الواقع اللي أنت عايش فيه الززب.. خيرك الززب يا سكاربيلو؟»، قال الغلام.
«لكن أني عايش فيه»، كرر السكاربيلو قوله، «علاش نقرا عليه ما دامني عايش فيه، الززب؟ هذا سؤالي، قصدي أني».
«خلي تفهم العقلية الليبية، الززب»، أجاب الشخصية.
«أنا نقول له عايش فيه، يقولي افهمه... خيرك الززب يا شخصية.. تفهم من تينتك انت ولا شنو؟» وأضاف: «قصدي النيهوم يا أولاد جرى بيكم من الأخير.. الأسطورة النيهومية خلاص، انتهت وقطنت. الصادق اللي نايكين منه أسطورة لا متمرد ولا زبي. وهو السبب الأول والأهم في البرود الفكري اللي يمر به المشهد الثقافي في ليبيا اليوم. بسببه صار عندنا جيل جديد من الكتاب المحششين لين متغششين». ثم أضاف بلهجة رسمية: «قصدي لو بتجي للكلام الصح، راهو الفقش من أهم النظريات اللي يفتقدها الأدب الليبي اليوم، والأديب الليبي ناك همش هذا النوع الرائد من الفلسفات الشعبية على حساب نظريات ثانية ما تهمش زك أم الواقع اللي عايشين فيه اليوم. قصدي مالأخير... طلعلي حاجة وحدة بس كتبها النيهوم فيها نيك بالطريقة الفقاشية.. الواقع اليوم إن الكاتب الليبي محشش وتعب من التقرقيب.. وغير الواقع هذا كله كلام مفرخ.. أعطيني يا برادر نيكة واحدة بس كتبها الصادق.. مش بس نيكة، حتى رضعة، لحسة. يا سيدي حتى راس بعبوص.. ما فيش الزّب.. حتى إيحاء الززب ما فيش.. مالأخير... عندي إحساس يا أولاد إن الصادق يا إما ما كانش ينوّض، أو إنه ينوض وهذا معناه إنه خايف يحكي عن النيك، وهذا معناه ما كانش متمرد. أو ممكن يكون بوفتة، وعادي راه كان بوفتة راهو. ما عنديش مشكلة أني مع البوفتات، تعرفوني. لكن كان بوفتة وما يبيش يقول إنه قاي، معناه ماهوش بوفتة.. قصدي معناه مش متمرد».
النيهوميان في الجلسة عبرا عن امتعاضهما، وربما لم يأخذا كلام السكاربيلو بجدية. صرح «الشخصية» إنه ما يرضهاش في الصادق: «اللي ما ترضاشي في روحك يا سكاربيلو ما ترضاشي في الناس». أما الغلام، والذي حسب السكاربيلو كان بوفتة لكن مش مورّق لروحه مازال، فقد قال إن كلام السكاربيلو لا معنى له، وعليه أن يراعي بأن كتابات الصادق فاقت الجنس مغامرة وتحدّيًا.. «تخيل يا سكاربيلو يجيك واحد يكتب عليك ويقول إن السكاربيلو زبه أبيض وصغير.. ترضاها في روحك؟». ضرب السكاربيلو فصاً في الهواء وقال: «تينتك يا ميبون.. زبي ما فيش ذكر يغلط فيه». ابتسم الغلام وقال إن هذا الأمر بين السكاربيلو ونفسه، ولكن لا أحد بإمكانه مستقبلاً ومع الأجيال الجديدة في الأدب الليبي أن يتأكد من ذلك، ولذلك ربما سيأتي كاتب شاب في المستقبل ويكتب إن السكاربيلو يكتب عن النيك دائماً لأن زبه كان صغيراً وما ينوضش، مما سبب له عقدة وجعله يكتب عن النيك في كل نصوصه.
وقتها، وقف السكاربيلو من على كرسيه ورفع يده عالياً وصاح فيهما بأن «محمد السكاربيلو» الذي لم يخف يوماً، وأفنى حياته كلها في سبيل كتابة نص أدبي حقيقي، لا يرضى بما سمعه عن زبه، ولن يسمح بأن يُسجل هذا عليه.
بانت أسنان الشخصية وهو يبتسم. وقال هامساً: «أبيض وصغير». غرقا الاثنان في الضحك.
اعتدل السكاربيلو في جلسته وقال للشخصية والغلام: «كان تشوف زبي يا ميبون أنت وهو، تكتبوا على خاطره قصيدة مدح».
ضحك الغلام وقال إنه مستعد للقيام بذلك في حال أخرج السكاربيلو زبه أمام جمع المثقفين في مقهى فندق الصفوة مساء يوم الخميس. فندق الصفوة عشيات الخميس كما تعرفون يستقطب نخبة المشهد الثقافي في طرابلس وأزلامها وصبيانها أيضاً.
«كلمة تريس يا مان؟» سأل السكاربيلو.
«بتريس يا ميقو»، قال الغلام.
الفلاش
باك، ما قبله وبعده
كان «الشخصية» مقتنعاً بأن السكاربيلو لا يملك الجرأة على إظهار زبه أمام المثقفين في فندق الصفوة، بينما الغلام، وإن شك في ذلك أيضاً، إلا أنه كان يعلم بأن السكاربيلو لما يسكّر رأسه على موضوع ما، فسيقوم به ويبيع الدنيا بلّي فيها على خاطره. وبالفعل، كان السكاربيلو ذاك النوع من الأشخاص الذين وهبوا أنفسهم للمغامرة وحسب، وهذا ما أوصله إلى لندن، وجعله يقيم أشهراً في شوارع برلين، وعمل لفترة طويلة في حقول العنب بالجنوب الإيطالي. أكثر المهن التي اشتغلها السكاربيلو كان بيع المخدرات.. وقبيل سنوات قليلة، أقام في قرية كتاما بالمغرب ليشارك سكانها زراعة الحشيش وإرساله في وقت لاحق إلى ليبيا.. كما أنه أول من أدخل حبوب الإكستاسي إلى ليبيا، وهذه كانت مغامرة ممتعة – حسب تعبيره – تزامنت مع الأسابيع الأولى لانتهاء الحرب في أكتوبر 2011. كما أنه موهوب في صناعة جوازات السفر وتقليد التوقيعات وصناعة الأختام. له العديد من الدراسات الأدبية في حقل النيك وموسيقى التكنو والقناوة المغربية والمخدرات المنقرضة، بالإضافة إلى نصوص أدبية كثيرة كتبها على العديد من المذكرات الصغيرة، وجمعناها لاحقاً في عدة ملفات وورد تحت عنوان «سلسلة أدب المنيكة». كما أنه انتهى مؤخراً من كتابة المسودة الأولى لرواية قصيرة بعنوان «آخر أيام النقد» والتي يغطي فيها تاريخ مائة عام في بلد مجهول، عن طريق سرد حكايات عائلة من النقاد والأكاديميين. يقضي السكاربيلو معظم وقته في السفر وتدخين الجوانات، ويرفض نشر أي من كتاباته كي لا تتوزع على نطاق واسع، إيماناً منه بأن النقد انتهى، وما فيش حد يستحق أن يقرأ ما يكتبه إلا القلة من المقربين منه ومن عالمه.
وبالنسبة له، فإن موضوع الصادق النيهوم ومهمة النيك صار من أولوياته، وأراد أن يكتشف أغوار هذا الكاتب الذي لا تعرف نصوصه طعم الأورقازم. أخبرني ذات مرة بأن هذه الفكرة حول كتابات الصادق جاءته في الحلم.
![]() |
| شفت الصادق شاد زبه ويقرقب ويتكلم عن المرأة والديانات |
يقول: «مرة في الحلم لقيت روحي في مبنى الصحافة أو في رابطة الكتاب، معش نتذكر وين بالضبط.. وشفت الصادق النيهوم جاي. من الأول حسبته ميشيل فوكو.. مش عارف علاش، مع إن الزوز ما يشبهوش بعض راهو.. لكن المهم شفت الصادق شاد زبه ويقرقب ويتكلم عن المرأة والديانات.. بعدين مش عارف كيف صار، لقيت روحي في فيتش كلوب معاه، وهو لابس أكحل ورابطينه... وواقفة وراه مرا بديلدو وتنيك فيه، وقدامه راجل يمصله.. لما نضت من النوم، كنت مكفوخ.. الليلة اللي قبلها كنت نايكها سكرة شينة لزب، وقعدت اليوم كله نقرأ في كل كتابات الصادق اللي عندي وعند أولاد صحابي، ندور على نيكة واحدة في كتابات الصادق... ومالقيتش».
لم يتوقف السكاربيلو عند بحثه في كتابات الصادق وحسب، بل بحث عن رقمَي زوجتيه المقيمتين في مدينتين مختلفتين بأوروبا.. ولم تكن هذه بالنسبة له مهمة صعبة.. إذ إنه اتصل بصديق له مهووس هو الآخر بالصادق النيهوم وكتاباته، وقام بإرسال الرقمين له في غضون دقائق. وفي صباح اليوم التالي، رفع السكاربيلو سماعة الهاتف واتصل بزوجة النيهوم بحجة أنه محرر الصفحة الثقافية في صحيفة «أويا»، وأنه يود إجراء حوار عفوي وترويجي معها، لأن الشباب من الكتاب الليبيين يتساءلون حول تفاصيل حياة الصادق ليقلدوه قلباً وقالباً.. خاصة في التفاصيل المتعلقة بأكلاته المفضلة والنكات التي يحبها وأوقاته المفضلة في الكتابة، والأفلام التي يكرر مشاهدتها والموسيقى التي لا يتوقف عن الاستماع إليها... أعجبت زوجة الكاتب الكبير بهذا النوع الشبابي من الحوارات، وقالت إنها تحتاج إلى مثل هذه الحوارات الحميمية حول الصادق عوضاً عن تلك الحوارات الأكاديمية والسياسية التي غرقت فيها منذ وفاته.
ملاحظة: اعذروني على عدم قدرتي على ذكر أي من الزوجتين كانت في الحوار التالي، وسأنقل لكم الحوار باللغة العربية الفصحى لاجتناب الوقوع في الشبهات.
عودة إلى الموضوع: بعد أربعة دقائق من الحوار العام حول حياة الصادق، بما فيها أكلاته المفضلة والنكات التي يحبها وأوقاته المفضلة في الكتابة، سألها السكاربيلو:
«كيف كان ينيك الصادق؟»
«عفواً!»
«كيف كان ينيك الصادق؟»
«أ.. لا أظن أني قادرة على سماعك».
«سيدة (...).. الصادق زوجك!»
«نعم».
«كيف كان ينيك؟ يعني ما هي وضعيته المفضلة للنيك؟»
«....»
«ألو؟»
«....»
«سيدة (…)، هل تسمعينني؟»
«نعم..»
«و...»
«هل تقصد كيف كنا ننام مع بعض؟»
«إيه، تقريباً».
«لا أظن أن هذا سؤال صحفي، ولا أظن أن لك علاقة بهذا الأمر».
«أعرف، ولكن الكتاب الشباب في ليبيا لا يستطيعون أن ينيكوا صاحباتهم بالطريقة التي يحبونها، كالدوقي ستايل أو السكستي ناين، لأنهم يحسون بأن كاتبهم المفضل لا يقوم بهذه الحركات، وأنه أرصن من أن يلحس النونا مثلاً... وهذا السؤال يطرح نفسه دوماً في المجالس الأدبية..»
«لا أدري في الواقع كيف أجيبك على هذا السؤال».
«حسناً، لنسهل الأمر عليك. خذي وقتك.. كل ما عليك فعله هو أن تجيبي بنعم أو لا..»
«كيف؟»
«يعني أن أسألك عن حركة، ولو يحبها الصادق قولي نعم، وإن لم يكن يحبها أو لم تقومي بها معه، قولي لا».
«آه.. هل أنت متأكد بأنه بإمكانك نشر هذا الحوار في جريدة؟»
«بالطبع... الشخصية والغلام وباقي الشباب سيتحمسون جداً لمعرفة إجابة هذا السؤال».
«من؟»
«الشخصية والغلام وباقي الشباب المتأثرين بالسيد النيهوم».
«أه.. أوك».
«وتر سبورت؟»
«عفواً؟»
«يحب الصادق الووتر سبورت؟»
«ما هو الووتر سبورت؟»
«يعني... في الحمام تلعبان بالماء مع بعض؟»
«لا.. نعم.. لا أتذكر.. لا لا.. لم أفهم السؤال».
«أورال سكس؟»
«عفواً؟؟»
«لحس ومــ..»
«اسمع... أنا مضطرة للذهاب الآن، لا أظن بأنني قادرة على إجراء هذا الحوار.. باي باي».
الألم: تألم السكاربيلو بعد ذلك، فقد كانت هذه المكالمة أمله الوحيد في الوصول إلى إجابات مقنعة حول هوية النيهوم الجنسية. لقد ظل السكاربيلو حريصاً على ألا يعطي أي أحكام مفصلية في علاقة النيهوم بجسده، وكان له بصيص من الأمل أن النيهوم كان نياك كبير، ولكن لأنه لم يكن متمرداً حقيقياً، لم يستطع الكتابة عن تجاربه.
حكاية خارج سياق القصة: كتب النيهوم دراسة طويلة عن نزار قباني، ليسقط منه كل الهالات التقديسية لصالح "شاعر مغمور وقتذاك" حسب قول أحمد ابراهيم الفقيه في "صورة قلمية للصادق النيهوم" التي نشرها مسلسلة على تسعة أجزاء في موقع ليبيا وطننا سنة 2009. وحسب السكاربيلو، في تلك الليلة التي التقيتُه فيها بحفلة السايكيداليك، فقد أعجبته فكرة هذه المقارنة على اعتبارها بين شاعر سوري مشهور يكتب عن النيك بنظرة استشراقية خرائية، وآخر ليبي مغمور يكتب شعراً مليئاً بالكآبة والنكد. ولكن التحفظ في كل الموضوع من وجهة نظر السكاربيلو هو أن النيهوم قد حاول أن يسقط المعنى الجنسي في شعر قباني، وأن كل الحساسية المنصبة في هذه الدراسة تكمن في أن «النيهوم منزعج من شهرة قباني بسبب خواطره الجنسية، بينما كتاباته المتعلقة بالنقد في القرآن والمرأة والتاريخ لم يلقَ بسببها أي نوع من الشهرة خارج ليبيا».
في
مديح زبي (2)
قرأنا في الفصل الأاول من هذه الحكاية: "وقتها، وقف السكاربيلو من على كرسيه ورفع يده عالياً وصاح فيهما بأن «محمد السكاربيلو» الذي لم يخف يوماً، وأفنى حياته كلها في سبيل كتابة نص أدبي حقيقي، لا يرضى بما سمعه عن زبه، ولن يسمح بأن يُسجل هذا عليه.
بانت أسنان الشخصية وهو يبتسم. وقال هامساً: «أبيض وصغير». غرقا الاثنان في الضحك.
اعتدل السكاربيلو في جلسته وقال للشخصية والغلام: «كان تشوفوا زبي يا ميبون أنت وهو، تكتبوا على خاطره قصيدة مدح».
ضحك الغلام وقال إنه مستعد للقيام بذلك في حال أخرج السكاربيلو زبه أمام جمع المثقفين في مقهى فندق الصفوة مساء يوم الخميس.
«كلمة تريس يا مان؟» سأل السكاربيلو.
«بتريس يا ميقو»، قال الغلام."
تكملة: مساء يوم الخميس، اقتحم السكاربيلو مقهى فندق الصفوة. لم يستوعب جمع المثقفين ما يحدث، ولكنهم رأوا السكاربيلو يسحب زر بنطاله وأخرج زبه أمامهم. اندهش كل من في المقهى وغرقوا في الصدمة. قال السكاربيلو مخاطباً «الشخصية» والغلام الجالسين على طاولة «عبد الله مليطان» الشهيرة: «هذي العصبانة أهيا. شفتها والاّ؟.. ولد قحبة فيكم اللي ما يكتبش على زكمه قصيدة».
وحسب السكاربيلو، فقد أحدث هذا المشهد تغييراً جذرياً في تاريخ الأدب الليبي، وخير مثال على ذلك أن الكتاب الذين حضروا ذاك اليوم لم يكتبوا شيئاً على مدوناتهم ولا على صفحات الفيسبوك طوال أسبوع. دخل الجميع في حالة صدمة. ولم يتجرأ أحد على الكتابة حول ما حدث. لكن البعض أطلقوا شائعات هنا وهناك بأن السكاربيلو يشتغل في الأمن الداخلي، و«أحداث مساء الخميس» خير دليل على ذلك. أول كلام موثق عن الحادثة ظهر بعد أسبوع، في منشور كتبه «صابر الفيتوري» على موقع فيسبوك يدافع فيه عن وزير الثقافة «نوري الحميدي» قائلاً: «وأحداث مساء الخميس تشهد على وطنية هذا الرجل».
«ما دخل حكاية زبك في وطنية نوري الحميدي يا سكاربيلو؟» سألتُه.
«نوري الحميدي يومها كان عنده عزومة في حوشه، وعازم الصبية متاعينه. من بينهم صابر الفيتوري وصلاح عجينة والشلّة المنيكة هديكا... المهم يا راص يومها وعد بتكريم كل المثقفين الشباب.. وتزامن ذاك الوعد مع تطليعة زبي في فندق الصفوة. فبعد منشور صابر الفيتوري وصدمة المثقفين في فندق الصفوة، صارت القصة اليوم إن نوري الحميدي هو اللي طلع زبه للمثقفين الشباب في ليبيا».
إلا أن السكاربيلو لم يعنه هذا الأمر، فكل ما كان يسعى لأجله بتلك المغامرة هو أن يقرأ قصيدة مدح على زبه ويكسب الرهان.. وبالفعل، استقبل السكاربيلو على بريده الإلكتروني رسالة من الغلام فيها ملف قصيدة مشتركة مع «الشخصية» في مديح زبه، وقد ترجاه الاثنان ألا ينشرها باسميهما. كان يعلم السكاربيلو أن جملته التي قال فيها للنيهوميين إنهما سيكونان ولدي قحبة إن لم يكتبا قصيدة في مديح زبه ستجعلانهما أولاد قحبة حقيقة، ولذلك، وحفاظاً على صورة أمهما الوقورتين، كتبا تلك القصيدة، والتي بدأها الغلام قائلاً:
«من زبي إلى زبك يا سكاربيلو / ألف سلام وتحية»
هذه الفاتحة مدهشة كما سيخبرني السكاربيلو قبيل انطلاقنا إلى قاعة الرقص، إذ إنها تعبر عن ذكاء صاحبها الذي اقتبس البداية (بتصرف) من إحدى رسائل النيهوم إلى الفاخري، كما أنه لم ينفرد بذكر زب السكاربيلو في مطلعها وحسب، بل ذكر فيها أنه له زباً أيضاً، وأن الغلام يكتب فيها من هذا المنطلق، وبذلك صارت القصيدة كلها حوار بين ثلاثة زبوب، وهذه ثورة حقيقية في تاريخ الفقش بليبيا.. خاصة أن القصيدة تستمر في نفس السياق أبياتاً طويلة، ليختمها «الشخصية» باكياً في آخر سطر:
«وليالي الاستمناء على الأطلال يا زبي / طويصة يا عذاب الكرموس».

تعليقات