ليبي مهبول أطلق كلابه على العباد في حلق الوادي

 

جمعة. الربيع. الطقس في الخارج جيد. كان مشمسًا طوال اليوم، بل طوال أسابيع. الغروب يخيّم الآن. انتهيت من العمل قبل قليل. ما زلت أحسّ بدوار سهرة البارحة. كم سيجارة دخنت اليوم؟ عندي التزامات أخرى اليوم. ربما أؤجلها إلى الإثنين. سأخرج للتسوّق بعد قليل. عندي نية في لحم بقر. سأدخن سيجارة أولًا، سيجارة نهاية يوم عمل طويل. دمي ممتلئ بالنيكوتين. ربما دوش بعدها. القطة التي كانت تأتي مرتين في اليوم لتأكل عندي اختفت منذ خمسة أيام. قطعة السالامي ستفسد قريبًا. صار لي زمن لم أطعم كلاب الشارع. ربما أفعل اليوم، خاصة الجراء. نوع من مهادنة. رشوة لاحتمال عودتي متأخرًا ذات ليلة. آه: قائمة المشتريات.

*
الكلبة وجراؤها ليسوا هناك. بيت مهجور أمام البيت الذي أسكنه. تسكن الجراء باحته الأمامية. ثغرة في الجدار قرب شجرة، أقرفص أمامها لأنظر إلى الباحة. ليست هناك. هذه الجراء لم تعد جراءً. عمرها حوالي ستة أشهر. ولدت في حديقة البيت الذي أسكنه. رققتُ أنا والجيران لحال أمها العرجاء، فتركناهم. ثم سافرت، ولما عدت أخبرني الجيران أنهم طردوهم لأنهم كبروا وصاروا خطرًا على أطفالهم. أسمع صوتهم بعيدًا وواضحًا. أميّزه بين أصوات الكلاب الكثيرة في المنطقة. هم في مكان ما هناك، عند قنال خير الدين. مذ كبروا صاروا رفاقًا للكلاب الشرّانية السائبة، المسيطرة على الشارع خلف القنال. أعدتُ قطعة السالامي إلى الشنطة.

*
الخضار زحمة. أصلًا لا أدري لماذا دخلته. عندي ما يكفي من الخضار في البيت. استرعت انتباهي كمية الفول الأخضر في الصناديق المرتبة عند الواجهة الخارجية. اشتريت نصف كيلو منها. الدكان ممتلئ بالزبائن. كان دوري حين تجاهلني الخضّار واهتمّ بأمر زبونة خلفي. تحدّث إليها وهو يشعل بخورًا في إناء فخاري. قال إنه أشعله على خاطرها. قالت السيدة إن عندها حساسية. أغلقت أنفها وصارت تكحّ. نهرته. ارتبك الخضّار ورفع الإناء جاريًا به إلى الخارج، مخترقًا صفّ الزبائن. بقيت السيدة منفعلة بفعلته. ال passive aggressiveness وشقيقها awkwardness خيّما على جو الدكان. وحدي، بين بقية الزبائن، تابعت الموقف مبتسمًا كأنني أشاهد reel.

*
قطط تجتمع أمام دكان البقالة. واحدة منها حشت نصف جسمها في كيس كبير مفتوح لطعام القطط. بدت كأنها تقف في طابور لتناول حصتها. البائع خلف الطاولة محاصر بأكوام المنتجات. متأكد أنه لا يدري بعملية السطو عند عتبة الباب. اخترقت طابور القطط. نظرت إلى تطبيق القوائم في الهاتف، وألقيت على البائع احتياجاتي كما لو كنت ألقي قصيدة. ربما كان الأجدر ألا أطلب بيضًا؛ إذ التفت البائع إلى الناصية قرب الباب، حيث البيض، ولاحظ القطط وهمّ بطردها. أحسست أنني وشيتُ بها. اعتذرت لها. ظننتني اعتذرت في سرّي، لكن يبدو أنني قلتها بصوت عال. لم يعجب ذلك صاحبنا البقّال، فاتّهمني بالاشتراك في عملية السطو، وقال إنه لو كان ابن حرام لدفعني ثمن ما أكلته القطط.
Do what you have to do, my friend.
قلتها، وإنما في سرّي حقًا هذه المرة.

*
ما تبقّى من بضاعة الجزار اليوم، كما اتضح وأنا أنظر إلى ثلاجة الواجهة، ليس سوى مرقاز وبقايا لحم خروف. سآلته إن كان عنده لحم بقري في الثلاجة خلفه. قال: غدًا. قلت: بل اليوم. قال: غدًا. عندما خرجت، وصلني اتصال من"..." يسأل عن الوضع. قلت إنني متعب، وربما جسدي يصارع مرضًا ما. سأعود إلى البيت وأنام. قال إنه اشترى بيرة لكلينا، وعنده نبيذ، ويبدو أنني خسّرته فلوسه على الفاضي. قلت إنني قلت ربما أصارع مرضًا، وليس أكيدًا، وإنني قادم في الحال.

*
منذ عدت من السفر، وعرفت أن الكلاب لم تعد تسكن حديقة البيت، وأن الجيران طردوها وأقفلوا الحفرة في حائط السور التي كانت تدخل وتخرج منها، بدأت أتردد عليها في الشوارع خلف القنال لأطعمها من وقت لآخر. مع الوقت احتلت القطط بيتي بدل الكلاب، وكبرت الكلاب هناك، فصرت أزورها كلما قبضت مالًا وصار بإمكاني إطعام فيلق منها: الجراء، وأمها العرجاء، وأصحابها الجدد. في الليل، حين توقظني الأرواح الهائمة في الدار، أسمع نباحها وأميّزه بين كلاب كثيرة تتبادل النباح. الجيران في الشوارع خلف القنال باتوا يتذمرون منها، خاصة أولئك الذين يخرجون للتنزه بكلابهم في العشيات. أخبرت الكلاب مرارًا، وأنا أطعمها، أن تكفّ عن فعل ذلك. لأنهم في الآخر، شئنا أم أبينا، لا يتعدّى ثمنهم خرطوشةً يصيبهم به الحاكم لو حدث وعضّوا كلبًا مع صاحبه أو إنسانًا. لهذا، حين أستيقظ آخر الليل وأسمع نباحها متداخلًا مع أذان الفجر، ثم أعود إلى النوم، تحضر صورتها وهي ميتة. والحاكم يجرّها من ساقيها نحو حاوية سيارة خصّصتها البلدية لنقل جثث الكلاب.

*
قريبًا من القنال، أمشي حاملًا حقيبتي، فيها بضاعة التسوّق، وفي يدي قطعة السالامي. أسمع نباح الكلاب يقترب، فأسرّع خطاي نحوها. فجأة يظهر شاب يجري، وخلفه الكلاب التي لم تعد جراءً، تلحق بها أمها الكلبة العرجاء. كان المارّة قد توقفوا لمشاهدة المطاردة، فلما ناديتُ الكلاب توقفت ونظرت ناحيتي. هزّت ذيولها، وسارعت نحوي وجلست أمامي. نهرتها وأنا أقطع السالامي بيدي، وحكيتُ لها عن المنامات التي تطاردني حول موتها. قلتُ لها إن الحاكم، حين يأتي ليقتلها، لن أقدر على فعل شيء. عليها أن تراجع حساباتها، وأن تكفّ عن ملاحقة العباد. وأنني سأتوقف حتى عن إطعامها. لم أكن أدري أن المارّة الذين توقفوا لمشاهدة المطاردة بقوا في أماكنهم يشاهدون الجدال القائم بيني وبين الكلاب. فقط حين هممتُ بإعطاء كل واحدة منها حصتها من السالامي، همهم رجل جالس في سيارته: ليبي مهبول أطلق كلابه على العباد في حلق الوادي. وقتها فقط نظرتُ حولي إلى المارّة، وهم بدورهم فهموا أن هذا الشخص بالفعل ليبي، ومهبول، فاندثروا يكملون طريقهم. بقيتُ أضحك، والرجل في السيارة يضحك، وطوال الويكند بقيتُ أردد: ليبي مهبول أطلق كلابه على العباد في حلق الوادي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دُفعة واحدة

شُرفة هديل

ليلة الفأر