الحصانُ الأسود.. هكذا تمثّلت التجربة السجنية في كتابات الأدباء الليبيين


صدرت أولى روايات الكاتب والمسرحي الليبي منصور بوشناف بعنوان "سراب الليل" عن دار ليبيا للنشر في القاهرة سنة 2008. تتضح دلالة هذه المعلومة إذا علمنا أن مشروع بوشناف الأدبي بدأ في مطلع السبعينيات. اعتُقل بوشناف سنة 1976، ولذا ابتعد عن الكتابة عقداً كاملاً. وعندما أصدر روايته أخيراً في القاهرة، مُنعت فور صدورها من التداول داخل ليبيا بلا بيانٍ رسميٍ يوضح أسباب المنع.

في السنة نفسها، أصدر القاصّ جمعة بوكليب كتابه الأول "حكايات من البر الإنكليزي"، وجمع فيه قصصاً سبق له نشرها أسبوعياً في صحيفة القدس العربي منذ أواخر 2006 وحتى 2008. غير أن القصة الافتتاحية "العدّ التنازلي من واحد إلى عشرة" التي لم يسبق له نشرها، جاءت نصاً مختلفاً في بنيته ووظيفته، إذ تكونت من عشر فقراتٍ تستعيد كلّ واحدةٍ منها عاماً من أعوام السجن التي قضاها بوكليب مع كتَّابٍ آخرين. كأن الكاتب أراد بها إعادة ترتيب زمنه الخاص قبل الانتقال إلى حكايات المنفى، متخذاً من السجن عتبةً لا يمكن تجاوزها دون الاعتراف بها.

وفي سنة 2008 أيضاً، رفضت رقابة المطبوعات صدور كتاب "سجنيات" للكاتب عمر أبو القاسم الككلي. يحتوي الكتاب على ثمانيةٍ وأربعين نصاً قصصياً كتبهم الككلي بين سنتي 2001 و2008، كثف فيها تجربة سجنه التي امتدت قرابة عقدٍ كاملٍ منذ سنة 1978 صحبة بوكليب. جاء قرار المنع امتداداً لسياسةٍ صامتةٍ أحاطت بكتب السجن تحديداً.

هكذا اجتمعت في عامٍ واحدٍ ثلاثة كتبٍ سرديةٍ تتصل بالسجن من زوايا مختلفة. وقد بدا لافتاً في تجربتَي منصور بوشناف وجمعة بوكليب أن جيلاً من الكتّاب الذين بدأوا مسيرتهم الأدبية في النصف الأول من السبعينيات، لم ينشروا باكورة أعمالهم إلا في 2008. جاء هذا التأخر نتيجة مسارٍ تاريخيٍ عطّل أصواتهم وأجّل حضورهم العلني. وهو ما اتضح لاحقاً مع سقوط نظام العقيد معمر القذافي في 2011. إذ ظهرت منذئذٍ كتبٌ عديدةٌ تستعيد تجربة الاعتقال السياسي، معظمها كُتب سيرٍ ومذكرات.

راوحت الإصدارات الأدبية التي كان السجن جزءاً من تجربة مؤلفيها بين حضور السجن مباشرةً كما في "سجنيات" الككلي، والإيحاء به كما في "سراب الليل" التي اشتهرت أيضاً بِاسم "العلكة". وضع تلك النصوص كتّابٌ كانوا محبوسين في معتقل "الحصان الأسود" في مدينة طرابلس، وهم جيلٌ بدأ خطواته الأولى في درب الأدب مطلع السبعينيات قبل أن يتحول المعتقل إلى مدرسته القاسية التي صبغت كتابتهم بسماتٍ أسلوبيةٍ وجماليةٍ مشتركةٍ، أبرزها التكثيف والجمل القصيرة. هناك في العزلة والانتظار نضجت مواهبهم وتشكّلت لغتهم قبل أن تعود إلى العلن بعد أعوامٍ طويلةٍ حاملةً أثر التجربة في بنيتها وأسلوبها ورؤاها.

في المقال المنشور على موقع الفراتس والمرفق رابطه أدناه، أتوقف عند ثلاثة نماذج أدبية لكتّاب سُجنوا في الحصان الأسود، وأحاول قراءة الكيفية التي عبرت بها التجربة إلى الكتابة في صيغ متباينة، من المباشرة المكثفة في “سجنيات” الككلي، إلى المواربة والانزياح في “العلكة” لبوشناف، وصولاً إلى ذلك الهروب الدائم من مركز الصدمة في “نهارات لندنية” لبوكليب. وبين هذه المسالك الثلاثة، يبدو السجن قوة خفية أعادت تشكيل اللغة وبدّلت علاقة الكاتب بالذاكرة والحكاية والنجاة، بحيث غدت الكتابة، في كل حالة، محاولة لالتقاط ما تبقى بعد التحطم، أو لابتكار شكل يمكن العيش داخله بعد الخروج.


المقال هنا


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دُفعة واحدة

شُرفة هديل

ليلة الفأر