ليلة الفأر

 

لما عادت إلى شقته البارحة رأى في عينيها حزنًا، وكان صوتها مبحوحًا. سهل عليه أن يرى ذلك ويسمعه، وإن لم يسألها مباشرة إن كانت بخير. سألها فقط إن كانت عيناها قد التئمتا، لأنها قبل خروجها من شقته في الضحى قالت إنها لا تستطيع أن ترى جيدًا، ولهذا، حين عادت مساءً، كانت ترتدي النظارات بدل العدسات، فتساءل بينه وبين نفسه إن كانت قد بكت في منزلها، وإن كان ذلك سبب تبديلها للعدسات بالنظارات، لكنه لم يسألها، بل اكتفى بأن يفكر في الأمر ويستمع إليها تحكي عن حنينها إلى الحديث مع جدها وجدتها، عنهما وعن الكلام معهما، وعن كبار السن ومعنى العيش في اللحظة لأن ما يبقى لكبار السن في الحياة هو اللحظة فقط. ثم غادر شقته للقاء صديقه في البار، وهناك قضى ثلاث ساعات لم ينظر خلالها إلى شاشة هاتفه سوى مرة واحدة قرأ فيها رسالة منها تسأله أين يمكن أن تعثر على المكنسة. كتب لها، بسذاجة كما سيفكر في اليوم التالي، "هاو كيوت". تخيل أن صحن عشاءها سقط على الأرض وتهشم، وأنها، من خلال نبرة رسالتها الجافة، في لحظة هلع. وفي الطريق عائدًا إلى البيت، بعد ساعة تقريبًا وربما أكثر، قرأ في ردها أن الأمر لا علاقة له "بالكيوتنس"، بل بفأر اكتشفت وجوده في شقته. عاد إلى البيت مسرعًا فور قراءة الرسالة، وفي الطريق وجد قطًا شاردًا فالتقطه للحظة بعد أن قرر أن يأتي به إلى البيت ليقضي على الفأر، لكنه بعد بضع خطوات، هلع القط خلالها من عملية الاختطاف التي لم يضع لها أي حساب، فكّر أن الفكرة سيئة، وأنه لن يبتز قطًا بإطلاق سراحه بعد إتمام مهمة القضاء على الفأر. وفي البيت جلست هي مطبقة ساقيها على الكنبة تخبره بتفاصيل الواقعة، فمشّط أرضية المطبخ وتحت الحوض والدواليب والأدراج وحتى تحت الكنبة، باحثًا عن دليل ملموس على وجود الفأر من دون أن يفلح؛ لم يكن ثمة حتى أثر صغير كالبذر ولا علامات لأسنان القوارض على الأكياس داخل الدواليب. جلس بالقرب منها على الكنبة، وتبادلا القبلات، وكانت الموسيقى القادمة من الخارج قوية تعلن عرس أحد الجيران. كان ثملًا، ونفحة من الحزن ألمّت به وتجلّت حين شغّل أغنية زمزمات قديمة على يوتيوب كانت جدته ترددها أثناء إعداد وجبة الغداء أو عندما تغسل الصحون. وناما ليلتها متعانقين، بينما الموسيقى الصادحة في الخارج تصلهما واضحة ومبهجة، والأغاني في هاتفه تصدح بالبكائيات؛ فأر ربما يحوس في المطبخ أو الصالون، وأرواح تائهة تحوم حولهما، ويوم جديد سيبدأ عما قريب.

تعليقات

‏قال غير معرف…
برغم ان النص فيه بؤس الإنسان المعتاد بس نفرح كل ما تكتب نص جديد

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دُفعة واحدة

شُرفة هديل