أرشيڤ

الثلاثاء، 19 يونيو 2012

هي هكّي يا شامية!

الصورة: بدايات الحرب في مصراتة - لـ عبدالجليل الطيّف


الشامية: فيلم قصير واقعي.. فيديو عثر في جيب أحد جنود الديكتاتور في مصراتة


الرابع من أبريل، عام 2011، وقت غروب الشمس.. هكذا يبتدئ الفيديو بلقطة جانبية لشاب في بداية العشرينيات من عمره: على وجهه علامات التعب والحزن والضيق، يحكّ لحيته، وكأنّهُ يتساءل عن القادم إليه في اللحظات القليلة المقبلة. وبعبارة "شامية، قعدنا بروحنا يا شامية"، المختلطة بصوت الرصاص البعيد والأذان القادم من مكان ما وسط أجواء الحرب، يبتدئ المصور حديثه، مخاطبًا رفيقه الجالس قرابة منه، ومخاطبًا كذلك كلّ من سيشاهد هذا الفيديو. ثمّ يستمر المصوّر في أخذ لقطات من زوايا سطح العمارة، ويسمّي بعض رفاقه الذين كانوا يجلسون في تلكَ الزوايا لقنص الثوّار. يقولُ الشاب المصوّر "السطح هذا كان معبّي بنادمية"، أي بمعنى أن السطح كان ملئ بالبشر، ثمّ يقولُ بحزن أنّهم كلهم ماتوا، ولم يبقى منهم سوى هو "عمران" ورفيقه "الشامية"، وهذا الثاني حسب تعبير عمران: "شاب Top من الاخير ياالاخر"، وأنّهُ لم يبقى معهم سوى بعض طلقات الرشاش ورصاص الكلاشنكوف، وقد بات من الصعب تزويدهم بالامدادات من قبل كتائب الديكتاتور، ثمّ يقول، كمن أعلن استسلامه: "مصراتة تدمرت.. معش ولّت مصراتة، وهادوم الكراسي الي كانوا يدرقوا عليهم الاولاد باش يصطادوا الجرذان.. لكن الجرذان اصطادونا".. وقتها، يطلق زفرة أخيرة مساويًا رفيقه الذي بدأ في خلع حذائه العسكري "عادي عادي، هي هكّي يا شامية".

***
شاهدتُ الفيلم بعدَ تحرير شارع طرابلس، وبعدَ أن مات عمران ورفيقه الشامية، وعُثرَ على هذا الفيديو في موبايل بجيب أحدهما. النسخة الموجودة حاليًا على موقع يوتيوب، هي نسخة مشوّهة وقد تمّ حذف الكثير منها، أمّا الفيديو الأصلي الذي ظهر أيام الحرب، فقد كان أكثر حزنًا، وأكثر عمقًا. كان هناك الكثير من الأشياء التي أراد عُمران البوح بها في ذاك الفيلم/الوصية. عليّ القول الأن مثلاً أنّ ذاك الفيديو الأصلي ذو الخمس دقائق، لم يكن مجرد فيديو عادي لقنّاص فقد الأمل في الحياة وبات فقط ينتظر لحظاته الأخيرة، بل كان فيلمًا قصيرًا، مؤلمًا، وصادمًا، ويحمل في جعبته كمًا هائلاً من تصوير الخوف وبشاعة الحرب.

الصورة لـ المغرد عاصم على تامبلر
***
في المسلسل الأمريكي "Boardwalk Empire – ممر الامبراطورية"، نكتشف منذ الحلقة الأولى شاب في العشرينيات من عمره، يُدعى "جيمي دورمدي"، وهو شاب كانَ في جبهة القتال ابان الحرب العالمية الأولى، وعلى طول حلقات الموسمين الأول والثاني من المسلسل، نرى جيمي ولا تزالُ الحرب الطاحنة التي خاضها تؤرقه طوال الوقت. لقد ظلّ "جيمي" يعيشُ الحرب حتى بعدَ خروجه منها سالمًا جسديًا، إلاّ من اصابة بسيطة على ساقه. المشكلة الحقيقية، أنّ الأثار النفسية التي تتركها الحرب بداخل المقاتل، مهما ادّعينا أن هذه الحرب جميلة ونبيلة وذات فكرة "وطنية" رومانسية، إلاّ أنها في الواقع، تظل حربًا، ويظل الخوف والقلق مثل المسمارين يدقان رؤوس المقاتلين على الطرفين، حتى بعد انتهاء الحرب. وهكذا، ظلّت سنين الحرب ترافق جيمي حتى بعد عودته إلى نيو جيرسي. عانى الفقر والبطالة فترةً من الوقت، كما كانَ يُعين زوجته وابنه الصغير، ليجدَ نفسهُ لاحقًا منظما إلى "ناكي ثومسون"، منخرطًا في عالم العصابات والقتل الرخيص. على مدى السنتان اللتان قضاهما بعدَ نهاية الحرب وحتى مقتله، شعرتُ أنّ جيمي كان أيضًا عالقًا فوق سطح احدى العمارات، ومثل الشامية، كانَ عليهِ فقط التريّث والانتظار، حتى تأتيه الرصاصة التي ستقتله.

***
حتى أني بنّحي كاداري يا شامية - محمد مصراتي
عندما حاصر الثوّار معظم عمارات "شارع طرابلس" بوسط مصراتة، توقفت الامدادات لجنود كتائب الديكتاتور، والذين كانوا يأخذون من أسطح عمارات الشارع العالية مكانًا لهم لقتل الثوّار. وهذا الحصار الذي فرضه الثوّار على الجنود كي يسلّموا أنفسهم، امتدّ لأسابيع طويلة. وقتها، نفذ الطعام وظلّ القليل فقط من الرصاص. الثوّار اتخذوا أماكنهم فوق عمارات أخرى وبدأوا في اصطياد الجنود: رصاص يحلّق فوق الشارع وبين العمارات. وفي تلكَ الأيام، ظلّ الكلّ يراقب جثثًا تتساقط من أعلى العمارات إلى الأرض أسفلها. أجساد تتساقط لجنود الديكتاتور بعدَ أن قتلوا على أسطح العمارات، وظلّ رفاقهم ينظرون إليهم وقد بدأ الذباب يحومُ حولهم، حتى وصلوا إلى طريقة رمي الأجساد الميّتة من فوق الأسطح. هنا، يظلّ السؤال واقفًا، منتصبًا وأنا أشاهد الفيلم: "من مات أولاً، عمران أم الشامية؟".

في أخر الفيلم، وبعدَ أن أوصى عمران أمه وأصدقائه بأن يغفروا له ما بدر منه، يحرّك العدسة إلى حيث الشامية جالسًا وهو يخلع حذائه العسكري.. يسأل عمران رفيقه ان كان مقبلاً على خلع حذائه العسكري: "بتنحّي كادارك يا شامية؟".. لا يجيب الشامية، بل يستمر في فكّ خيوط الحذاء... يقول عمران وقد حرّك العدسة إلى حذائه العسكري وبدأ في فكّ رباطه: "حتى أني بنّحي كاداري". ان كانَ الفيلم سينمائيًا ومتخيّلاً، سيوؤل النقّاد ذلك إلى نظرة فلسفية وجودية، ستكونُ ربما، هي أساس الفيلم، وهي الخاتمة: نهاية الحرب، الموت، اعتزال السلاح، أو ربما سيؤولها البعض، باعتباره فيلم ليبي عن الحرب، هي ملخص كلّ الأحداث.. ولكن، في تلكَ اللحظة، أي بعدَ أن أنهى عمران تسجيل الفيلم ووضع جهاز هاتفه في جيبه وأنهمك في خلع حذائه، انطلقت رصاصة من سلاح قنّاص يتبع الثوّار، على العمارة المقابلة. أتخيّل أن تلكَ الرصاصة أحدثت فجوة في رأس الشامية، ظلّ عمران ينظرُ لها بكل برودة أعصاب وأصابعه تمسحان الحذاء العسكري. عمران ينظر الى الفجوة في رأس صديقه، كما رأى الثقب الذي أحدثه الرصاص في جسدي رفيقيه الأخرين "أكرم الحارة" و "كامل الفيتريني"، ثمّ انحنى بتثاقل إلى جثّة الشامية وقام برفعها إلى سور السطح، بحيثُ ظل الرأس يتدلّى في الفراغ في الجهة الأخرى والدم يصبّ منه، ثمّ رفع الساقين ودفعَ بهما إلى الأعلى حتى فقد جسد الشامية اتزانه وهوى إلى الناحية الأخرى، مثل كيس ممتلئ، ليحدث صوت ارتطام عالٍ، بينما ظلّ حذائه العسكري الأسود بالقرب من حذاء عمران.. هكذا، أدرك الأخير أنّ نهايته اقتربت.. ربّما هكذا كان السيناريو لهذا الفيلم.

***
أستحضر هنا جملة من فيلم "الكل هادئ في الجبهة الغربية"، حيث يسمع في احدى المشاهد: "ألا زلتَ تعتقد أنّ الموت في سبيل الوطن جميلاً؟ أول قصف علمنا شيئا مهمًا، الا وهو، أنّ الموت عندما يكون في سبيل الوطن، فمن الأفضل أن لا يموت الانسان أبدا"... وفي فيلم الشامية، يقولُ عمران مساويًا رفيقه بجملة باتَت اليوم كما المثل الشعبي: "عادي عادي، هي هكّي يا شامية".




------
شكر خاص لـ أحمد بن وفاء، سراج بيت المال وكل من ساهم في انجاز هذه التدوينة.

هناك 11 تعليقًا:

أحمد بن وفاء يقول...

جميل جدًا .. أعجبني!

يوميات إمرأة متمردة يقول...

من روائعك . ر مؤلم

يوميات إمرأة متمردة يقول...

من روائعك ... مؤلم

عابدالقادر الفيتوري يقول...

لحظات مليئة باليأس والتأمل بالمصير المنتظر المرعب .. انها الموت .. لا احد يرغب النهايات المرعبة .. اما عندما تكون حتمية .. فداك شعور لا يخالج غير من عاش اللحظة .. جميل اختيارك الكتابة عن هذا الفيديو المؤلم .. كما جمال بصمات قلمك الدليق .. وقاربات اللحظة

غير معرف يقول...

اشكرك ياشطاوينو على هذه الهدية
هي هكي ياشامية حفزتني لكتابة مقالة ولذلك فان ما نشرت يعد كتابة جميلة لان من مهمة الابداع أن يحفز على الابداع
شكرا مرة ثانية
بوكليب

bayan يقول...

أبدعت جداً هذه المره
تحياتي

bayan يقول...

ابدعت كثيراً هذه المره
تحياتي

غير معرف يقول...

ابداااع المقال اعجبني

ashtar mohmmed يقول...

وقت الحرب جابه محمود عبدالعزيز في برنامجه تفرجوا عليه أهلي، وأنا لأ، حكوا علي لحظة توديعه لأمه، بعد التحرير دورته وكان ناقص،و كنت نشوف للأثنين إنهم ضحية من ضحايا النظام، حاليا، أنا أسفة لإني أمنت و حلمت بثورة، كان معمر جاثم علينا، حاليا ذنب الشهداء والمفقودين والجرحي و العائلات الليبية الهاربة لتونس و مصر، واللاجئة في الوطن، نبي نزور قبر عزيز و مفتاح، نبي عمتي معاش تستني خشة عزيز عليها، نبي نعرف شن مصير صغار الي خسرناهم من كل الوطن‏، نبي وطن يقبلني أنا و هم نبي وطن يعترف بنا جميعنا، ديما كان خاطري نعرف شن مصير عمران وشامية، أخيرا عرفت شكرا محمد نهاية تخيلك للأحداث أراحتني

ashtar mohmmed يقول...

وقت الحرب جابه محمود عبدالعزيز في برنامجه تفرجوا عليه أهلي، وأنا لأ، حكوا علي لحظة توديعه لأمه، بعد التحرير دورته وكان ناقص،و كنت نشوف للأثنين إنهم ضحية من ضحايا النظام، حاليا، أنا أسفة لإني أمنت و حلمت بثورة، كان معمر جاثم علينا، حاليا ذنب الشهداء والمفقودين والجرحي و العائلات الليبية الهاربة لتونس و مصر، واللاجئة في الوطن، نبي نزور قبر عزيز و مفتاح، نبي عمتي معاش تستني خشة عزيز عليها، نبي نعرف شن مصير صغار الي خسرناهم من كل الوطن‏، نبي وطن يقبلني أنا و هم نبي وطن يعترف بنا جميعنا، ديما كان خاطري نعرف شن مصير عمران وشامية، أخيرا عرفت شكرا محمد نهاية تخيلك للأحداث أراحتني

شذى يقول...

الكلمات تهرب أمام من يريد أن يبوح قبل الموت ...الحروب مدمرة ..هي هكي يا شامية