المشاركات

ليلة الفأر

صورة
  لما عادت إلى شقته البارحة رأى في عينيها حزنًا، وكان صوتها مبحوحًا. سهل عليه أن يرى ذلك ويسمعه، وإن لم يسألها مباشرة إن كانت بخير. سألها فقط إن كانت عيناها قد التئمتا، لأنها قبل خروجها من شقته في الضحى قالت إنها لا تستطيع أن ترى جيدًا، ولهذا، حين عادت مساءً، كانت ترتدي النظارات بدل العدسات، فتساءل بينه وبين نفسه إن كانت قد بكت في منزلها، وإن كان ذلك سبب تبديلها للعدسات بالنظارات، لكنه لم يسألها، بل اكتفى بأن يفكر في الأمر ويستمع إليها تحكي عن حنينها إلى الحديث مع جدها وجدتها، عنهما وعن الكلام معهما، وعن كبار السن ومعنى العيش في اللحظة لأن ما يبقى لكبار السن في الحياة هو اللحظة فقط. ثم غادر شقته للقاء صديقه في البار، وهناك قضى ثلاث ساعات لم ينظر خلالها إلى شاشة هاتفه سوى مرة واحدة قرأ فيها رسالة منها تسأله أين يمكن أن تعثر على المكنسة. كتب لها، بسذاجة كما سيفكر في اليوم التالي، "هاو كيوت". تخيل أن صحن عشاءها سقط على الأرض وتهشم، وأنها، من خلال نبرة رسالتها الجافة، في لحظة هلع. وفي الطريق عائدًا إلى البيت، بعد ساعة تقريبًا وربما أكثر، قرأ في ردها أن الأمر لا علاقة له "بال...

دُفعة واحدة

صورة
مذ توقّف عن الشراب صارت حياته أفضل. روتينية، مملّة، متكرّرة، لكنها أفضل. حياته أيضًا، لما كان يشرب، روتينية، مملّة، متكرّرة، لكنها لم تكن أفضل، وفي الوقت نفسه لم تكن أسوأ. كانت حياة عادية، وصارت بعدها عادية.  الأفضل يمكن اختصاره في عدم الصرف، وعلى الأقل الآن، حين يستيقظ صباحًا، لا يشعر بالدوار، ولا يفتّش محفظته ليحسب ما تبقّى لديه من مال. هنا، في هذه الجزئية، يكمن معنى الأفضل. حدث الأمر في غفلة. الأسبوع الماضي، حين دقّت الساعة الرابعة عصرًا، ساعة الشرب، دخل كعادته الحمّام وأخذ دوشًا سريعًا، ثم ارتدى ملابسه على عجل وجمع ما يلزمه في شنطة. قبل أن يهمّ بالخروج من المنزل جلس على الكنبة وأشعل سيجارة، وفكّر في لتر البيرة الذي ينتظره في حانته المفضّلة المواجهة للبحر، على بُعد عشر دقائق مشيًا من منزله. وما إن لاح على باله طعمها، وهو يدفع بالكأس الأولى كاملة لكي يدخل في جوّ الثمالة مباشرة، لعبت به الصفراء، فهرع إلى الحمّام وأرجع بقايا وجبة الغداء، ثم استفرغ المزيد من سائل أصفر بدا كخيط رفيع يشدّه من معدته. هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك. وكان، في العادة، يمضمض فمه بعدها ويغسل أسنان...

شُرفة هديل

صورة
وهو ينظّف المنزل في صباحه الأول، يمسح  الدولاب أسفل حوض الغسيل بفوطة مبلّلة، استرعى انتباهه صوت حمامة. في البداية ظنّها هناك، داخل الدولاب نفسه. لكن حين توقّف عن المسح وأصغى جيّدًا، تتبّع الصوت، فوقف ونظر من خلال شباك المطبخ نحو الشرفة ورفع رأسه. وجدها هناك، مستقرة فوق السخّان المثبّت في حائط الشرفة الصغيرة، تنظر إليه وتصيح، أو تنادي، أو شيء من هذا القبيل، كما خطر له. من مكانه استطاع أن يلمح عشًا أعلى السخّان، وأن يدرك أنها استوطنت هذه الشقة قبله، وربما بمدة طويلة، بينما لم يمضِ على وصوله سوى يوم واحد، منذ أن وقّع عقد الكراء البارحة مع صاحب البيت. "هالو يو تشيكي ون"، قال لها، كما اعتاد أن ينادي حيواناته الأليفة. مالت الحمامة برأسها وبقيت تحدّق فيه، كأنها تستفهم وجوده. ومنذ ذلك اليوم صارت حيوانه الأليف في مستقرّه الجديد. يستيقظ كل صباح، يضع على حاشية النافذة، ريثما ينتظر القهوة أن تغلي، بضع فتات خبز. يراقبها ترقد فوق بيضها في العش، ويحدّثها عن نفسه، عن مساراته ومسرّاته وخيباته. يصبّح عليها، يسألها عن حالها، وحين يضحك - وكان يضحك عادة بصوت مدوٍّ - تطير بعيدًا، فتحطّ على سور الع...

الحلم في المنفى

 تنبعث أضواء صفراء خافتةٌ من مصابيح الإنارة العالية في الشارع خارج السور المحيط بحديقة بيت جدّي ليلاً فتبدّد عتمة المكان. هكذا بدأ حلمي بجدّي من أمّي وهو يتفقّد حديقته ليلاً، غير مبالٍ بحضوري أو بحضور ابن خالتي أمين. يتنقّل في ممرّاتها الترابية ليلتقط نباتاتٍ ميتةً ويضعها في دلوٍ يحمله بيده. أسمع صوته خافتاً متحسّراً على أيامه التي لم تكن النباتات فيها تعطش، ولم تذبل حتى مع تعاقب الفصول. يسألني وأمين عمّا منعنا من رعاية نباتاته بعد رحيله. كنتُ على وشك إخباره أن البيت هُدم منذ أعوامٍ، غير أني آثرتُ الصمت. لكن في حلمي ذاك رأيتُ البيت موجوداً، والحديقة بدت كما تركتُها قبل اثني عشر عاماً، كبيرةً وعامرةً بالأشجار العالية والنباتات البرية. جلست مع ابن خالتي على الكراسي البلاستيكية البيضاء قرب الباب المؤدّي إلى الصالون. انحنيتُ نحوه وهمستُ في أذنه قائلاً إنني سأستيقظ في أي لحظةٍ الآن. هزّ رأسه وقال إنه يعرف، فسألتُه عن مشاريعه وجدّي بعد رحيلي، فيما إذا كانا سيظلان هنا أم سينتقلان إلى مكانٍ آخر. قال أمين إن هذا منامي وعليه سيختفيان عندما أستيقظ. هذا المنام واحدٌ من مناماتٍ عديدةٍ حضر فيها ...

تماثيل ليبيا.. بين الإرث الروماني ومحاولات التحرر الوطني

صورة
  "علاقة الليبيين بالتماثيل كانت دوماً علاقةً مضطربة. حملت هذه الرموز شواهد على الغزاة والهويات المفروضة، وأحياناً على الفراغ الذي يتركه التاريخ لَمّا يُمَّحَى. حتى اليوم في 2025، حين أُثير الحديث عن إعادة نصب تمثال سيبتيموس سيفيروس في مكانه الأول نفسه بميدان الشهداء في طرابلس، بدا وكأن التمثال ليس قطعةً من الماضي بقدر ما هو رمزٌ حيٌّ لصراع مدنٍ في زمن الحرب الأهلية على الحقّ في امتلاك السردية التاريخية.  وُضع الجدل في خانة التنافس على ملكية الرموز، ويُذكّر دون قصدٍ بالرحلة التي خاضها التمثال في القرن الماضي، من كونه رمزاً فاشياً للشرعية الرومانية، إلى لحظة إزالته حين رأت فيه السلطة خطراً على خطابها السياسي. والآن، وبعد نصف قرنٍ، يعود التمثال للواجهة ربما ليكرّس سلطةً جديدةً، وربما ليفتح باباً آخَر من الجدل، وربما ليختفي هو الآخَر أيضاً مثل كلّ ما تبقّى من التماثيل الحضرية بعد 2011 إلى الأبد.." أتناول في هذا المقال المنشور بمجلة الفراتس، سيرة التماثيل والنُصب في ليبيا كونها مرآةً لصراعٍ أوسع على الذاكرة والشرعية. أنطلق فيه من الجدل الذي عاد في فبراير 2025 حول نقل تمثال الإمبر...

بحبوحة

  توقّفتُ عن تعاطي الكوكايين قبل تسعة وعشرين يوماً، لكن حسابي المصرفي ما يزال صفراً. امتنع المصرف عن إعطائي أي قروض أكثر من المتراكمة، ومعارفي وأصحابي رأوا أنّه لا فائدة من الاستمرار في فعل ذلك. ظاهرياً قد أبدو لك أنني لا أهتمّ بالأمر، واثقاً بأنّ حياة الإفلاس تناسبني، وأعتبر أجمل أيامي هي تلك التي لم أمتلك فيها مليماً. إنّني مدين للإفلاس، ولولاه متُّ زمان. رغم ذلك، لم أجد مفرّاً من لحظات كهذه يحضر فيها الإفلاس كمعضلة وواقع أليم. موعد دفع الإيجار غداً، وأنا أصلاً متأخر شهرين. رسائل الفواتير ملأت مدخل البيت، وكل يوم يتّصل بي رقم غريب فلا أردّ عليه، أو يتّصل سمسار البيت، وحتى هو لا أردّ عليه. خلال هذه الأيام التسعة والعشرين بقيت معظم الوقت جالساً أو مستلقياً على الكنبة، غير قادر على المبادرة بأي أمر يُخرجني من واقعي أو يُعيدني إليه. كنت واعياً لمسألة الاعتكاف كضرورة للخروج من حلقات الشم. التوقف عن التعاطي يحتاج إلى وقت وصبر وكساد وقلة مال وطلعات. كنتُ مزاجياً معظم الوقت في الأسبوع الأول وحائساً في نفسي، أتنقّل دون سبب بين الغرف ونادراً ما أدخل المطبخ أو الحمام. قضيتُ وقتاً لا بأس به ...

موت محمد

صورة
  S B Ginsburg صعقت حين سمعت أن الرسول مات . إبن عم أبي، حسين، والذي كان يكبرني ببضعة سنوات، هو من أخبرني الحقيقة التي لم أصدقها ونحن نشوي حمامة اصطدناها قبل قليل وطلب حسين من عابر سبيل في طريقه لصلاة الجمعة أن يذبحها لنا . رحب الرجل الغريب بالأمر، و سرعان ما ندم لما لطخ الدم كُمّ قميصه الأبيض  ف اضطر للعودة من حيث جاء، دون أن ينبس بكلمة، دون أن ينظر إلى عيوننا، ودون أن يذهب إلى الصلاة .  لا أدري كم كان عمري وقتها، دون العاشرة بكل تأكيد، لكن يستعصى عليّ تحديد العمر الصحيح، وهو ما يبدو غريبا لشخص في حالتي؛ أعرف التفاصيل الزمكانية لكل حدث في حياتي، وأسمّي الفترات بأعوامها. علّني   صرتُ هكذا بسبب اكتئاب حل بي فأعادني إلى الماضي بتفاصيله الدقيقة، أو لأن التذكر من طبائع البشر منذ بعد الأزل بقليل، أو ربما لأننا نعيش في زمن مشحون بالأنا والذاتية المفرطة والهوية الفردية وغيرها من نتاجات الصحوة النيوليبرالية وحوليات العالم الذي لم يعد ل...