فصل من روايــــة
حينَ كنتُ طفلاً... في التاسعة من عمري، كنتُ عائدًا إلى البيت في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل. وبينما كنتُ أقطعُ وسعاية بلخير للوصول إلى شارع عمر المختار حيثُ أسكن، رأيتُ رجلاً جالسًا على صخرةٍ كبيرة وبالقرب منهُ قنينة ماء. ناداني فأتجهتُ نحوه. كانَ رجلاً اربعينيًا على ما أذكره. بامكاني الأن وأنا على عتبة الثالثة والعشرين، من رؤية ملامحهِ جيّدًا. كانَ وجههُ نحيفًا وعيناهُ غائرتان. كانَ أشبهُ بوجهِ مومياءٍ قبيح. يرتدي قميصًا فاتح اللون وسروال قماش رخيص وحذاء رياضي. شعرهُ خشنٌ وأسودَ جدًا. سألني عن اسمي ومحلّ اقامتي. سألني عن ما أفعلهُ هنا في هذهِ الساعة المتأخرة. قدّم لي قطعة حلوى بينما كانَ يرميني بكمّ أسئلتهِ، والتي كنتُ أجيبُ عليها بكلِ ارتياحية ودونَ خوف. قالَ لي أنّهُ يعرفُ والدي جيّدًا، وأنّهُ صديقهُ منذ زمن بعيد. ربما هذا ما جعلني أرتاحُ للرجل الغريب. فلوالدي العديد من الأصدقاء الذينَ كانوا يحبونني ويعطونني الحلوى. وضعتُ الحلوى في فمي حتى كانَ التوتّر قد زالَ نهائيًا. كانَ يحدّثني بلهجةٍ مترنّحة. شعرتُ بأنّ لسانهُ مقطوع، وكانت رائحتهِ نفّاذة ومقزّزة (سأعرفُ لاحقًا أنّ قنينة ...