أرشيڤ

زكُم العنوان



حرارة جسمي ترتفع وتنزل. لا صداع، لا حمّى، لا شيء سوى قلب منقبض، وربما اندفاع نحو حفرة تؤدي لدهاليز بدورها تأخذني للاّشي. أدور حول نفسي ثلاث مرات، ثمّ أخبط رأسي عند كل زاوية، في غرفة لا يوجد بها الاّ الفراش، ومكدّسة عند حيطانها الأربعة بالكتب والكراريس. ماذا يحدث وراء الستار يا ترى؟ في المطبخ أفتح باب الثلاجة وأغلقها، وأدور مجددًا حول نفسي ثلاث مرات، وفي الدورة الرابعة أفكّر في العودة إلى الغرفة، لكنّي أغيّر رأيي، والحيطان تنكمش، وهنذا مجددًا في الغرفة، أدور حول نفسي ثلاث مرات، وأخبطُ رأسي عند كل زاوية.
سأولّع سيجارة.
أبحث عن كتاب بين أكداس الكتب. أبتعد عن تلك القصيرة منها، وأفتحُ ٢٦٦٦، واقرأ من الصفحة التي توقفت عندها في أخر مرة، ويالا المصادفة؛ الصفحة ٦٦٦. ثمّ أعيد وأغلق الكتاب، وأدورُ مجدّدًا حول نفسي. مرة واحدة لا ثلاثة. تطالعني أشباح تحومُ حول نفسها، فأضحك، وأجلس، هنا، على هذا الكرسي، أمام هذه الطاولة. منذ متى في هذه الغرفة كرسي وطاولة؟ آه، نسيت، منذ البارحة. على أي حال، لم يسبق لي أن جلست للكتابة على هذه الطاولة. اقول لنفسي أو أبوح لهذه الورقة الأخيرة في هذا الدفتر أنّني بالجلوس للكتابة على هذه الطاولة أكسر روتين الكتابة المعتاد. كسر الروتين عمل نبيل. كسر روتين الكتابة أمر ضروري، ثمّ أفكّر فيها، وأفكّر في الموتى، ويركبني السخط لأنّني كلّما كتبت أكتبُ عن زكّم الموتى، وكأنّ الكتابة وُهبت لهم ولها. وأفكّر في الجميع، الكل، أولئك الذين تجاوزوا الموتى بالدفع أكثر نحو الموت، والذّين وهبوا أنفسهم للحياة، ووهبوا كتاباتهم للأحياء، وأتساءل إن كنت أكتب لأكتب أم لأتواصل مع من رحلوا.
حرارة جسمي نزلت الأن، لا داعي للاستمرار. سأعود لقراءة ٢٦٦٦، أو كتاب أخر قصير، لا يتعدّى المائة واربعين صفحة، افتتاحيته كالتالي: تبدأ هذي القصة لمّا كنت شخصًا أخرًا. ثمّ ينهمر السرد في قطعة واحدة، لا فواصل ولا نقاط ولا تقطيع. مائة وأربعون صفحة من العيار الثقيل. أخبرني زميل في العمل زمان، لمّا كنت أبيع الكتب، أنّ الروايات الحقيقية هي تلك التي يوجد فيها كل شي، كل شيء يخصّ الحياة، من دخول الحمّام والتغوّط وفرش الأسنان وتناول الطعام، وحتى الجنون والموت والشذوذ والرواق وتحوّلات الطقس والكوابيس والاستمناء على الاطلال. لدى، يقول زميل عمل زمان، كتب وقصص فرجينيا وولف وجورج أورويل قد تكون أي شيء الاّ كونها روايات. 
أفكّر في زميل العمل ذاك كلّما بدأت وانتهيت من قراءة رواية.
حرارة جسمي ترتفع. سأزيح الستار وأفتح الشبّاك. قد لا أفعل ذلك. سأدخن سيجارة، وربما أعدّ العشاء. شيئًا خفيفًا هذه الليلة. نص بالجبنة، أو مكرونة سادة، وقد أضيف عليها زبدة وفلفل أحمر. خنفساء مرّت تحتي الأن. دعست عليها: سلميلي على من رحلوا.

ليست هناك تعليقات: